الصراع الخفي المعلن

12 ديسمبر 2025
+ الخط -

لم يعد الحديث عن وجود خلاف متعاظم بين السعودية والإمارات إفشاء لأي أسرار، فالمؤشرات على هذه المشكلات تظهر بوضوح على أرض الواقع في مناطق مشتركة بين البلدين، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة بين زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واشنطن وتصريحاته هناك.

استغلّ بن سلمان لقاءه الرئيسَ الأميركيَّ دونالد ترامب لطلب التدخل لوقف الحرب في السودان، في ظل انتقادات دولية للإمارات على خلفية اتهامات بدعم قوات الدعم السريع. هذا الطلب اعتبر أول خطوة سعودية لوقف التدخل الإماراتي في ملفات عربية كثيرة، ليس فقط في السودان، بل أيضاً في ليبيا واليمن بشكل أساسي.

وبالفعل، جاء تحرّك أميركي بناء على الطلب السعودي، غير أنه لم يكن تحرّكاً وفق ما أرادته الرياض، إذ تقدّم مستشار ترامب للشؤون الأفريقية مسعد بولس بمقترح لهدنة إنسانية ثلاثة أشهر، يتم خلالها التفاوض لوقف إطلاق النار بشكل نهائي. لكن هذا الأمر ترافق مع اتهامات أميركية للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية في المواجهات المندلعة في البلاد، ما عكس توتّراً في العلاقة بين واشنطن والجيش السوداني، الأمر الذي دفع الأخير إلى رفض المقترح الأميركي في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، والخشية من استغلال داعمي قوات الدعم السريع هذه الهدنة لإعادة ترتيب صفوفه.

طاولت الانتقادات الأميركية أيضاً قوات الدعم السريع، من دون الاعتراف بشرعية الجيش السوداني باعتباره ممثلاً للدولة ومؤسّساته. وحتى الانتقاد لمليشيا حميدتي لم يترجم أفعالاً حقيقية. الفعل الوحيد كانت لخدمات أجندات إدارة ترامب في أميركا اللاتينية. فقبل أيام، أعلنت واشنطن أن الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيات "الدعم السريع" في الفاشر الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) كانت بالتعاون مع مرتزقة كولومبيين. وعلى أساسها فرضت عقوبات على شبكة تجند مقاتلين للعمل في السودان، من دون اتخاذ خطوة فعلية تجاه الأطراف في السودان نفسه.

كثيرون فسروا هذه الخطوة الأميركية أنها في إطار الحرب التي تشنها إدارة ترامب على بعض الدول في أميركا اللاتينية تحت ذريعة "مكافحة تهريب المخدرات"، من دون أن يكون لها أي انعكاس فعلي على ما يحدث في السودان، حيث لا تزال المعارك مستعرة والانتهاكات مستمرة.

وبعيداً عن السودان والتطورات المنبثقة من طلب بن سلمان، ظهر احتكاك سعودي إماراتي آخر على الساحة اليمنية، حيث تملك أبو ظبي نفوذاً واسعاً داعماً للمجلس الانتقالي الجنوبي المُطالب بالانفصال عن اليمن. فخلال ساعات، ومن دون سابق إنذار، انقضّت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، موسّعة سيطرتها على الأراضي اليمنية، في ظل عجز من مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية، والذي من المفترض أنه يمثل الشرعية اليمنية، إذ أمر قواته بتسليم مواقعها ومعسكراتها لـ"الانتقالي" من دون وقوع صدامات. تلا ذلك مغادرة مسؤولي مجلس القيادة، وفي مقدمتهم رئيس المجلس رشاد العليمي للقصر الرئاسي في اليمن، لتصبح سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي كاملة على الجنوب اليمني.

يُنظر إلى هذه المستجدّات أنها المواجهة الأوضح بين السعودية والإمارات، وهو ما قابلته الرياض بمطالبة انسحاب المجلس الانتقالي الجنوبي من المناطق التي استولى عليها، بالتزامن مع تنفيذ أوسع عملية إعادة انتشار لما تبقى من قوات سعودية على الأراضي اليمنية. الترقب الآن لما ستؤول إليه عملية الانتشار هذه، وإلى أي حد ستصل المواجهة على الأرض، وما إذا كانت الرياض ستسعى إلى فرض الانسحاب بالقوة.

الحديث عن خلاف سعودي إماراتي كان يدور همساً منذ أكثر من عامين، غير أن انعكاسات له باتت اليوم على الأرض، قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".