الصحراء المغربية... ما قبل 31 أكتوبر وما بعده

06 نوفمبر 2025
+ الخط -

دخلت قضية الصحراء المغربية منعطفاً حاسماً بعد قرار مجلس الأمن، الصادر الجمعة الفائت، الذي يَعدُّ مقترح الحكم الذاتي الحقيقي، الذي سبق أن قدّمه المغرب في عام 2007، أحد أكثر الحلول واقعيةً، ويشجّع الأطراف على طرح أفكارها دعماً لحلّ نهائي مقبول من الطرفين. وعلى الرغم من التغيير الذي طرأ على الصيغة الأولى للقرار، التي كانت تنصّ على أن ''الحكم الذاتي الحقيقي، تحت السيادة المغربية يبقى الحلّ الأكثر جدوى''، ونجاحِ الضغوط الروسية في ربط مقترح الحكم الذاتي، أحدَ الحلول الأكثر واقعية (وليس الحلّ الوحيد)، بـ"إمكانية تطبيقه". على الرغم من ذلك، نجحت الدبلوماسية المغربية، في النهاية، في كسب أوراق قد تكون حاسمةً في مقبل الأيام، في أفق الطيّ النهائي لنزاع الصحراء المُفتعَل.
من قراءة متأنّية في ما بين سطور القرار، يبدو أن هناك توافقاً قيد التشكّل داخل مجلس الأمن بشأن نزاع الصحراء، فروسيا (الحليفة التقليدية للجزائر) والصين لم تستعملا حقّ النقض (فيتو) ضد قرارٍ ''يطالب الأطراف بالمشاركة في المناقشات من دون شروط مسبقة، على أساس خطة الحكم الذاتي... بغاية التوصّل إلى حلّ سياسي، نهائيٍّ ومقبولٍ من الطرفَين، يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية''. وهذا بحد ذاته مؤشّرٌ على أن قيام دُويلة في جنوب المغرب قد لا يكون في مصلحة روسيا والصين، الطامحتَين إلى تعزيز نفوذهما في منطقة جنوب الصحراء والساحل، ولاسيّما في وجود حزمة مصالح تجارية واقتصادية لا يستهان بها بينهما وبين المغرب. مصالح تعي الرباط جيّداً أن إسهامها في تعزيز النفوذ الاقتصادي الروسي والصيني في المنطقة قد يكون له عائد سياسي على صعيد نزاع الصحراء. كما أن عدم مشاركة الجزائر في التصويت، بدل التصويت بالرفض، قد يكون أيضاً بداية تحوِّل في موقفها بشأن النزاع، وتشكُّل وعي جديد لدى صنّاع القرار في الجزائر بأن المقاربة الأرثوذكسية لملفّ الصحراء، التي تجد جذورها في السياق العام للحرب الباردة، قد لا تكون مجدية وواقعية، أمام المتغيّرات الإقليمية والدولية التي يحرّكها الصراع على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية العابرة للحدود.
نجحت الدبلوماسية المغربية في تحويل مقترح الحكم الذاتي أرضيةً رئيسةً للتفاوض، بعيداً عن خيار الاستفتاء الذي بات غير عملي. بيد أن هذه الخطوة، على أهميتها وفاعليتها في مسار تأكيد مغربية الصحراء، تفرض أعباءً جديدةً على هذه الدبلوماسية، ذلك أن المقترح ينبغي له أن يتضمّن، وفق الآلية الأممية، مشروعاً سياسياً واضحاً ومفصّلاً بشأن الحكم الذاتي في الصحراء، وهو مشروع يُفترض أن يكون محطّ تفاوضٍ مع جبهة بوليساريو، في حالة قبولها طبعاً بالمقترح. وقد كان العاهل المغربي محمّد السادس واقعياً للغاية حين قال، في خطابه الذي ألقاه بُعيد قرار مجلس الأمن، إن ''المغرب سيحيّن ويفصّل مبادرة الحكم الذاتي وسيقدمها للأمم المتحدة، لتشكّل الأساس الوحيدَ للتفاوض، باعتبارها الحلّ الواقعي والقابل للتطبيق''؛ يتعلّق الأمر إذن، بمعركة قانونية وسياسية ودبلوماسية من داخل الشرعية الدولية، سيكون على المغرب خوضها من أجل إقناع الدول الكبرى، بما فيها روسيا والصين، بجدّية خطته وقابليتها للتطبيق، بما يُراعي خصوصية الأقاليم الجنوبية في إطار السيادة المغربية. فقرار مجلس الأمن، وإن كان قد فكّ الارتباط بين مبدأَي ''تقرير المصير'' والاستفتاء، إلا أنه أكّد أن ''الحلّ السياسي النهائي والمقبول من الطرفَين'' ينبغي أن ''يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية''، ما يعني أن المغرب مطالب بإدراج ''تقرير المصير'' هذا ضمن مقترح الحكم الذاتي، بشكل يستوعب خصوصية الاجتماع الصحراوي، ويُلائمها مع مقتضيات الحكم الذاتي، مع الإفادة ممّا توفّره التجارب الدولية في نُظم اللامركزية والحكم الذاتي.
إذا كان قرار مجلس الأمن يُعدُّ انتصاراً دبلوماسياً كبيراً للمغرب، فإنه، في الوقت نفسه، يطرح عليه تحدياتٍ جسيمةً، إنْ على الصعيد الداخلي، وتحديداً في الأقاليم الجنوبية، أو على الصعيد الدولي، فتتداخل مصالحُ إقليمية ودولية كبرى، تعكس ما تُمثّله الصحراء من أهمية جيوسياسية.