الشيخ وعمر بن الخطاب

29 أكتوبر 2020
الصورة

(نصر جوابرة)

+ الخط -

كنت أراه يومياً جالساً على صخرة، ينظر في نقطة ثابتة، كأنه أعمى أو نائم في اليقظة، يدخن من شروق الشمس إلى غروبها أمام باب البيت. هو الناجي الوحيد من الحرب، كأنه يحرس أنقاض التاريخ أو يرثيه، أو يستحمّ بأشعة الشمس، فلا يهدر منها شعاعاً واحداً، حتى ليظنُّ المرء أنه صخرة مصبوبة، لولا الدخان المتعالي من لفافته، كان يجلس في تلك العتبة حتى في الأيام الغائمة، ويلبس أسمالا كثيرة تقيه من الريح والبرد. لا يعرف أحدٌ كيف نجا من القصف والموت، ربما زهد الغزاة في قتله، ربما اختبأ، لم يحِنْ أجلُ الشيخ بعد، وكان الجند المدجّجون بالسلاح يمرّون به ويضحكون.

كنت أمرُّ به، عابراً صف الدبابات المقلوبة على ظهرها مثل حشراتٍ حديدية، من أثر ألغام انفجرت، وسال بعض حديدها مثل الشمع على جانبيها، والتوتْ سبطانتها، كان ينظر إلى دخان طالع من كومة أنقاض عملاقة، كأنها بركانٌ خامد، فلا أجد همّة في السلام عليه أو عزماً، مستصغراً من شأنه أو يائساً من بصره أن يراني، ومن سمعه أن يسمعني، وأمضي إلى شأني في مدينتي المنكوبة، باحثاً عن بيتي بين الأنقاض التي كثرت، علّي أجد أثراً من ذكريات البيت، أو أجد بين الآثار هدى.

قدّرتُ عمره في التسعين، كانت لحيته قد ابيضت كلها، فلا ترى فيها شعرة واحدة سوداء. .. جازفت مرة وسلمت عليه، فردّ السلام بحفاوة كأنه بوغت بها، سُررت لأنه أبصر إشارة التحية، وقدّرت أنه لو استطاع الوقوف لوقف سعيداً بها، حتى إنه أبقى يده مرفوعة مدةً، مذهولاً مثل شراع سفينةٍ في اليابسة، إلى أن اختفيت بين أكوام الهدم، وشعرت بالفخر من ردِّه الكريم، كان ينظر إليّ بإعجاب شديد وفضول كثير، فأحسست بالعزّة والأمل، ولمتُ نفسي على هدر تحيات كثيرة وخسارتي تلك التحيات المفعمة. التحية من الحياة.

جعلتْني حفاوته بالتحية أقف عليه، وأسأله في اليوم التالي: أين يقع شارع عمر بن الخطاب؟ مرَّ جنود يقهقهون، وكانوا كلما عثرت بهم طلبوا هويتي، وكنت زوّرت هويةً باسم جديد لا يثير الريبة، فينظرون فيها ويتركوني وشأني، ويمضون بين الخرائب التي صنعوها بأسلحتهم الفتاكة، كأنهم فنانون صنعوا تماثيل للمدن الخاسرة بأسلحتهم المدمرة، أو نصباً للنصر العظيم بريشة النار.

وضع لفافته على طرف الدكّة، واتكأ على عكازته، واستنهض إلى أن استوى وشمخ وشخص، ولم يكن الأمر يستدعي الوقوف، وكان يجد صعوبةً في إدارة حدقتي عينيه اللتين جفَّ فيهما الدمع، ولعلي سألت رغبةً في مؤانسته، أو معرفة ما إذا كان حياً أو ميتاً، أو رغبة في الاتصال بصديق وحيد بين هذه الخرائب.

اقترب تسبقه عكازته، وأشار إلي أن اقترب أيضاً، وكنت أعلم أن البلدية غيّرت اسم الشارع إلى اسم روسي لا يُحفظ لعجمته على اللسان، ثم دلّني على الشارع بيده التي أشار بها وكأنها سيفٌ قديمٌ يسلُّ من غمده، أشار أن أمضي قدماً، ولا ألتفت يمنةً ولا يسرة، وسأجد عمراً أمامي.

كان سعيداً بسؤالي، وفرحاً كأنه يدلني على كنز، وجاهد في نحت ابتسامةٍ شاقةٍ ومعدنية على وجهه، وبقيت يده مرفوعة، ومضيت، والتفتُّ خلفي، فرأيته ما زال واقفاً مستنداً على عكازته كأنها راية، إلى أن اختفيتُ بين الأنقاض التي نمتْ بينها الحشائش والشربين، وشعرت أنه يريد أن يقول لي شيئاً، والتفتُّ مرّات، كانت الريح تحاول عبثاً نزع أسماله الكثيرة، فتخفق وراءه مثل بيارق قديمة.

ظهرت وراء رأسه هالة كرة الشمس، ويده كانت ما تزال مرفوعةً كأنها تصلّبت، وإلى جانبه ذلك البركان الخامد الذي يتعالى دخانه منذ شهور، من غير أن تقدر أمطارٌ على إخمادها، وقرأت في عينيه كلاماً، كأنه يريد أن يقول لي: لا تنس أن تعود بعد أن ترى عمراً، يا ولدي.