الشماتة السياسية في تونس

الشماتة السياسية في تونس

25 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

أصيب رئيس البرلمان التونسي، وزعيم حركة النهضة، راشد الغنّوشي، بكورونا أخيراً، فشمت به خصومه الإيديولوجيون شماتة شديدة، وفتحت تدويناتهم وتعليقاتهم مجالاً واسعاً لتبادل التهم بالانحطاط الأخلاقي والحقد والحسد، وانتصب كلّ فريق يعلّم خصمه آداب معاملة المريض صديقاً وعدوّاً، ورأى آخرون أنّ المجتمع التونسيّ يشهد انحداراً قيميّاً خطيراً. ويتجدّد هذا في كلّ مرض أو موت أو حزن... ثمّ لا يتغيّر الخطاب، ولا تعالج الظاهرة، ولا ترتفع العداوة.

خلاصة ما تقوله الدراسات في تفسير الشماتة أنّها نوع من السعادة يتلذّذ فيه المرء بآلام غيره الذي تجمعه به علاقة حسد. ومجالها المواضيعُ المهمّة عند الإنسان، وأنواعُ السلوك التي تحرّك الحسد في النفوس. وهي لذلك وثيقة الصلة بالمقارنات الاجتماعية، وبالأهميّة التي يعلّقها المرء على أمور خارجية، مثل الشهرة والسلطة والمال. ومن عللها الفائدةُ التي يمكن أن يصيبها الشامت من حلول المصيبة بغيره، وشعورُه بنوعٍ من الاطمئنان متولّد من اعتقاده باستحقاق المشموت به ما أصابه، وإعادةُ الاعتبار لمن يرى شخصاً أعلى منه مرتبةً وأحسن منه حالاً، فإذا حلّ به مرض أو حزن أشعره ذلك بالرضا والخروج من وضعيّة النقص.

تصير الشماتة الجماعيّة سياسة مطالبة بإقصاء المخالف أو سجنه وتعذيبه أو نفيه من الوطن بلا رجعة أو إبادته واستئصاله

وقد تكون الشماتة تعبيراً عن ضعف تقدير النفس، فأشْمتُ الناس هم الذين لا يملكون صوراً جيّدة عن أنفسهم، وليسوا راضين عن حياتهم، وتوجّه مشاعرَهم ومواقفهم مقارنةُ أنفسهم بغيرهم في المجتمع. ومن هذا الوجه، يجد الشامت عزاءً يهوّن عليه ما يؤلمه من عذاب الحسد، ويمنحه تلذّذُه بمصائب الآخرين ثقةً بنفسه يثبّتها عدم شعوره بالذنب، إذ لا يد له في ما حلّ بـ"ضحيّته" من مصائب. ومن السهل أن يجد المرء في المجتمع شخصاً يمثّل في نظره تهديداً لحقّه أو سعادته أو هويّته، فإذا أصيب ذلك الشخص بخيبةٍ من أيّ نوع اطمأنّ الشامت وعاد إليه توازنه. وينتج من هذا كلّه أن تصبح الشماتة آليّةَ تكيّفٍ، تمكّن المرءَ من معايشة نفسه بعيوبها وإخفاقاتها، من غير أن يتّهمها أو يبحث عن سبب تفوّق غيره عليه.

وكان التونسيّون يعبّرون عن الشماتة بعباراتٍ في لهجتهم وبحركات أيديهم، لكنّها كانت شعوراً مكتوماً أو معلناً في دوائر ضيّقة جدّاً، وكانت أمراً مذموماً، والناس يسارعون إلى ذمّ الشامت ونهيه عن شماتته أو عن إظهارها. ثمّ فُتح مجال تصريف الشماتة والكره والحسد والحقد، وصار الناس لا يخجلون من الجهر بالمشاعر السلبيّة. والظاهر أنّ البرامج التلفزيونية الساخرة والنكت ومقاطع الفيديو المتهكّمة ساهمت في تعميم مشاعر الشماتة، إذ إنّ ظاهرها الإضحاك والسخرية، ونتائجها تعويد الإنسانِ التلذّذَ بخيبات الغير وأحزانه. ثمّ أصبحت محن الإنسان في مقاطع العنف مادّةَ فُرجةٍ يخصّص لها المشاهد حيّزاً من وقته. فإذا كان المستهزأ به أو المعنَّفُ مخالفاً سياسيّاً أو "عدوّاً إيديولوجيّاً" أصبحت مشاهدته ممارسةً مولّدة للشماتة. ولمّا أصبح استعمال مواقع التواصل عادة يوميّة، وكثر تبادل موادها، أصبح المحتوى الشامت صناعةً لا ترضي رغبة شخص واحد، بل تشكّل وجدان جمهور واسع من أتباع الأحزاب السياسيّة، فنُقلت الشماتة إذاً من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة، وتجلّت في خطاب عنيف يميّز بين فريقين لا يلتقيان البتّة: هم ونحن. ويدور التعبير الشامت الشخصيّ حول التصريح بالكره والدعاء بالشرّ وتمنّي الموت بكورونا مثلاً، ويوغل في الكره بتمنّي موت الخصم عِرقاً عِرقاً... وأمّا الشماتة الجماعيّة فتصير سياسة مطالبة بإقصاء المخالف أو سجنه وتعذيبه أو نفيه من الوطن بلا رجعة أو إبادته واستئصاله.

أصبح فريق كبير من التونسيين اليوم يعيش في الشماتة: فكراً ووِجداناً وخطاباً وممارسة وأُفُقاً

لقد أصبحت الشماتة في الخطاب اليوميّ التونسيّ تمريناً لتنمية أحطّ غرائز الإنسان: أنانيّةً وكرهاً وحسداً وحقداً؛ وغدت في المحتوى الشامت ثقافةً عامّة تجمع المختلفين في السياسة على كرهٍ مشترك، فالشماتة بالغنّوشي، بعد إصابته بكورونا مثلاً، يتبادل محتواها اليساريُّ وأنصارُ "الدستوريّ الحرّ" وأتباع "التيّار الديمقراطيّ" والمواطن الذي ليس له انتماء حزبيّ، وغيرُهم. وسياسيّون كثيرون، منهم الغنّوشي، فشلوا فشلاً ذريعاً في تغيير نظرة الناس السلبيّة إليهم، وما نراه في مواقف الناس من محنهم بعضُ نتائج سياساتهم. إلّا أنّ اتّساع تبادل المحتوى الشامت يبيّن ظواهر اجتماعية خطيرة في تونس، منها استفحال الأنانية، فجذر الشماتة هو الإيغالُ في حبّ الذات، وينشأ منه كره الآخر وحسده والارتياح لسقوطه والتلذّذ بمحنته، ولا يصاحبه مراقبةٌ للنفس، ولا مراجعة للموقف الشخصيّ. وكلّما غلب حبُّ الذات والعجزُ عن إبداع تواصل مع المخالف وعن تصوّر طريقة لمعاملته، اتّسعت دائرة الشماتة، وتعدّدت مفرداتها وأساليبها، ثمّ أصبحت صناعةً وسياسةً وليست موقفاً طارئاً مقترناً بحادث. ومنها أنّ إعلان الشماتة ليس مجرّد سعادة بمرض شخص أو موته أو سقوط منافس في الانتخابات، إلخ... لكنّه تعبير عن تحيّنِ الفرصة للانتقال من الشماتة بالقول إلى الانتقام بالفعل، أي العنف. لقد أصبح فريق كبير من التونسيين اليوم يعيش في الشماتة: فكراً ووِجداناً وخطاباً وممارسة وأُفُقاً، وهذه الحالة علامة على عطالة حقيقية وانسداد مزمن. ومنها أنّ أكثر الذين يُظهرون الشماتة متخرّجٌ من الجامعة ويحمل شهادات عالية، وهم لم يتعلّموا في المؤسّسات التقليديّة، وليسوا من ذوي الثقافة الدينيّة، ومن نشأ منهم نشأة تقليديّة خرج منها بالتلقين الحداثيّ، فالعلّة الأولى إذاً في المدرسة التي علّمت وخرّجت، والحزب الذي احتوى ووجّه.

ويستفاد من هذا كلّه أنّ المحتوى الشامت تعبيرٌ عن أزمة عميقة في المجتمع التونسيّ: مدرستِه وأحزابِه وشخصيّةِ أفراده وأسرتِه وأخلاقِه وثقافتِه اليوميّة. ولعلّ الصراع الثقافيّ - السياسيّ المحتدم فيه اليوم، ينتهي إلى إلزامِ صنّاع الشماتة جميعاً بعطالتهم والحيلولةِ دون انتقالهم من المحتوى الشامت إلى الفعل العنيف.