الشك بوصفه منهجاً

30 ديسمبر 2025

داود عبد السيّد في تكريمه في افتتاح مهرجان الإسكندرية السينمائي (14/9/2010 فرانس برس)

+ الخط -

على نحوٍ مُقلق، بدا رحيل المُخرج داود عبد السيّد متّسقاً مع سينماه نفسها. لا صدمة، لا ذروة عاطفية، ولا لحظة وداع تستدعي البلاغة. كأنّ الغياب في هذا الموت كان امتداداً طبيعياً لمنهج اشتغل دائماً ضدّ الحدث، وضدّ الاستعراض، وضدّ فكرة النهاية الدرامية. وكما درج في أعماله، نجد في غيابه أن المعنى لا يُختتم، وأن الخروج الصامت قد يكون أكثر صدقاً من أيّ خطاب أخير. مرثيته، في هذا السياق، ليست تعبيراً عن حنين، بقدر ما هي قراءة متأخّرة في درس قاسٍ: أن بعض الكبار لا يرحلون فجأة، بل ينسحبون ببطء، حتى نكتشف أن الصمت نفسه كان جزءاً من عملهم.
لم يكن داود عبد السيّد مُخرجاً جاء ليُفسّر الواقع أو يقدّم له سرديةً بديلةً؛ مشروعه السينمائي يقوم على الشكّ بوصفه منهجاً، الشكّ في المعنى، في البطولة، في المجتمع، وفي قدرة الصورة نفسها على أن تكون بريئةً، وهذا ما يزعزع شرعية الواقع من الأساس. أفلامه لا تقف في مواجهة "الواقع" موضوعاً، بل في مواجهة منطقه؛ ذلك المنطق الذي يُعيد إنتاج القهر تحت مسمّى عقلانية الطبقة الوسطى، ويُقدّم التكيّف بوصفه حكمة. لذلك تبدو سينماه ما بعد حداثية، لا لأنها متشظّية أو غامضة، بل لأنها ترفض السرد الكبير، وترفض أن تمنح المشاهد يقيناً أخلاقياً أو نهاية مريحة.
مرثية داود عبد السيّد لا تُكتب بوصفه صاحب أفلام مهمّة، إنما بوصفه صاحب موقف جذري بأن السينما أداة زعزعة أكثر منها أداة فهم. والمفارقة هنا أنه بدا، ظاهرياً، مُخرجاً "محبوباً" في نطاق واسع، فيما كان في العمق من أكثر السينمائيين قسوة على جمهوره. لم تكن شعبية أفلامه نتيجة خطاب تواصلي أو لغة تصالحية، بقدر ما كانت نتاج سوء فهم خلّاق؛ فقد ضحك المشاهدون حيث كان يضع المرآة، وتعاطفوا حيث كان يجرّب حدود الاغتراب. لم يخاطب داود الجمهور بوصفه كتلةً ذوقيةً، وإنما بوصفه كياناً أخلاقياً مُداناً؛ لم يسعَ إلى إرضائه بقدر ما سعى إلى كشف تورّطه الصامت في بنية عالم معطوب. وهنا يتبدّى صراعه الفنّي: فهو مُخرج حاضر في الذاكرة الجماعية، لكنّه يعمل ضدّ منطقها؛ سينما تبدو قريبة، لكنّها تسحب البساط من تحت أيّ تعاطف مريح.
مرثيته، بهذا المعنى، ليست رثاءً لفنّان أكمل كلمته، بل لفنّان نجح في أن يكون مفهوماً جزئياً فقط؛ إذ إن اكتمال الفهم (في عالم داود عبد السيّد) كان دوماً علامةَ استسلام. سينما داود عبد السيّد تمرين طويل على الحرمان: حرمان المتفرّج من الإجابة، ومن الخاتمة، ومن وهم الفهم النهائي. لم يتعامل مع الفيلم حكايةً تُروى، وإنما سؤالاً يُزرع ثم يُترك بلا ضمانات. كل بنية سردية عنده تبدو وكأنّها على وشك الاكتمال، ثم تنكسر عمداً؛ لا ذروة تُكافئ الصبر، ولا حكمة تُلخّص التجربة. بهذا المعنى، لم يكن داود عبد السيّد ضدّ المعنى، بقدر ما كان ضدّ تحويل المعنى إلى سلعة أخلاقية سهلة الهضم.
مرثيته، إذن، لا تُكتب بلغة الامتنان، بل بلغة السؤال المُؤجَّل: ماذا تفعل السينما حين ترفض أن تُطمئن، وحين تُصرّ على أنّ القلق ليس خللاً سردياً، وإنما شرط وجودي للوعي؟ لا وجود للبطولة بوصفها وعداً أخلاقياً، ولا وجود للشخصية القادرة على تمثيل معنى مكتمل. أبطاله ليسوا أقوياء ولا مُلهِمين؛ هم كائنات مشروخة، تتقدّم وهي تعرف مسبقاً أنها ستخسر. هو لم يهدم صورة "البطل" بدافع السخرية، بل هدمها بدافع الشكّ في الفكرة ذاتها: فكرة الإنسان القادر على الانتصار داخل نظام مختلّ من دون أن يتلطّخ به.
في هذا الاختيار الجذري، كتب داود عبد السيّد ضدّ الخيال الجمعي الذي يحتاج بطلاً ليبرّر استمراره، وضدّ السرديات التي تُخفي العجز خلف قناع الإرادة. مرثيته تُكتب هنا بوصفه مُخرجاً لم يؤمن بالأبطال بقدر ما آمن بالإنسان وهو يفشل بكرامة، ويتقدّم من دون ضمانة، ويعيش خارج أسطورة الخلاص. مرثيته الحقيقية تُكتب بالاعتراف بأنه لم يكن سهلاً، ولا مُرضياً، ولا صالحاً للاستهلاك الأخلاقي السريع. مُخرجٌ عاش ضدّ الإجابات الجاهزة، رحل وترك في أعماله أثراً قلِقاً يرفض أن يهدأ، وهذا (في عالم داود عبد السيّد) هو الشكل الوحيد الممكن للبقاء.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك