الشعوب تتحمّل المسؤولية أيضاً

الشعوب تتحمّل المسؤولية أيضاً

16 أكتوبر 2021
الصورة

(وجيه نحلة)

+ الخط -

تتحمّل الأنظمة السياسية التي حكمت بلادنا العربية في العقود الماضية المسؤولية الأولى عما وصلت إليه حال المجتمعات العربية من تخلّف وجهل وأمية وتطرّف وعنف وتعصّب ديني ومذهبي وقومي، تتحمّل تلك الأنظمة مسؤولية كل الأمراض المجتمعية التي تجعل من أي حراكٍ تغييريٍّ عملا بالغ الصعوبة، شاقّا وكلفته عالية جدا، ليس فقط في الأرواح، وإنما في حالة الشلل التي سوف تصيب المجتمعات، نتيجة يأس الساعين إلى التغيير والراغبين فيه، ذاك أن مقاومة التغيير لا تأتي فقط من الأنظمة وأتباعها وحلفائها، وإنما تأتي أيضا من المؤسّسات المجتمعية المرتبطة بها، والتي تدرك جيدا أن أي تغييرٍ سياسيٍّ سوف يحصل سيكون على حساب تسلّطها وهيمنتها على المجتمع، إذ إن ارتباطها الوثيق بالأنظمة يجعل من مصيرهما واحدا لدى أية محاولة للتغيير، وهذا ما يجعلها تخرج كل وسائلها الصادّة والمقاومة والمضادّة للحراك المجتمعي التغييري، وتطلقها على عنانها، لتبدو، حتى الثورات الكبيرة، والتي دفعت أثمانها بالدم والأرواح، مستحيلة الإنجاز، أو أنها تهدف إلى إشاعة حالة من الديستوبيا والفوضى العظيمة في وعي كثيرين من أفراد هذه المجتمعات، ولا يستطيعون إدراك أن التغيير، إن حصل وأنجز، سوف تكون نتائجه لصالحهم أولا، إذ إن الدأب الذي اشتغلت به المؤسسات المجتمعية مع الأنظمة الحاكمة عقودا استطاع أن يضع العقل العربي الجمعي في قماقم تحتاج عقودا مشابهة، وجهدا خارقا لفكّها وتحرير العقل المعتقل داخلها.

أدركت الأنظمة الحاكمة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن لا شيء يمكنه مساعدتها على التسلّط والاستيلاء الأبدي على الحكم أكثر من جعل شعوبها غارقةً في تفاصيل غيبية، تلهيها عن التفكير بشؤون السياسة والمجتمع، فجنّدت لهذا كل طاقاتها الإعلامية والمالية، استخدمت كل التقنيات الحديثة ذلك الوقت لتكريس التفاهة المجتمعية، فلا عجب إن كنت تجد لدى مشاهدتك الفضائيات، التي تبثّ عبر الأقمار الصناعية، محطّة للفن الهابط والتافه (كان وقتها بداية ظهور الفيديو كليب، حيث كان الهدف جذب المشاهد إلى ما يظهر من جسد المغنية ذات الموهبة المعدومة أو المؤدّيات في الفيديو كليب). وتليها محطة دينية تروّج أفكارا غيبية، وتشتغل على بثّ الكراهية بكل أشكالها، وتُشغل متابعيها بشؤونٍ ليست من جوهر الدين، وتركت لمجموعة من المشعوذين والدجّالين، يظهرون ليل نهار على الفضائيات، أن يتدخّلوا حتى في تفاصيل الحياة الزوجية والمعيشة في داخل البيوت، باسم الحرص على الدين وقيم المجتمع. وكان هذا كله يتم تحت اسم "الصحوة الإسلامية" التي غيّرت وجه المجتمعات العربية، وكان الدين ركنا رئيسيا فيها، ولكن بوصفه عبادة وعلاقة خاصة مع الله، لا بوصف الحياة جزءا منه، ولا بوصفه المسيّر لشؤون الناس وحياتها وتفاصيل يومياتها.

المدهش أن مؤسسات إعلامية ضخمة مالكة عدة فضائيات كانت تملك التفاهات وتبثّها تحت اسم الفن، وفي الوقت نفسه، تبثّ قنوات الفتنة والتفاهات والتحريض ضد الاختلاف والتنوع، والدعوة إلى نبذ الفنون والجمال وتحوير النصوص الدينية، والبحث عن أحاديث غير مسندة، تسفّه الجمال لصالح القباحة، وتحصر مشكلات المجتمع في التحليل والتحريم، لا سيما الجنسي منه، ليصبح جسد المرأة وتفاصيله، وما يظهر أو يخفى منه، أكثر ما يشغل المجتمع، في وقتٍ كانت الأنظمة تتصرّف في البلاد بوصفها مزارعها الخاصة، تنهب منها ما تشاء وتستبد وتقمع وتقصي، وتشكّل طبقة مجتمعية جديدة (محدثي النعمة)، أثرت من الفساد وعاشت حياة خفية تفعل ما تشاء فيها، بينما تظهر إلى العلن ورعا دينيا كاذبا، سرعان ما أصبح من سمات المجتمع العربي، حيث يمكن ارتكاب كل أنواع الموبقات في الخفاء، بينما المسبحة والحجاب ودمغة الإيمان تعطي المشروعية المجتمعية لكل الخراب الذي انتشر في المجتمعات، وباركته الأنظمة التي استفادت منه إلى الحد الأقصى.

فشل الربيع العربي، والخراب الذي كان ينتشر كالفطر في المجتمعات المحكومة بأنظمة مستبدّة، وما يظهر على العلن منه حاليا، مع انتشار وسائل التواصل، الحقد والكراهية والعنف والطائفية والتشفّي والشماتة وكره الجمال والفنون والاختلاف والغضب الذي لا يميز المسبب الحقيقي، وتحميل مسؤولية الفقر والفساد وسوء الأحوال المعيشية لمن لا يسير على النهج نفسه، لا للأنظمة وحلفائها، واعتبار أن كل ما يحدث مرجعيته الإيمان أو الكفر فقط. هذا كله الذي تُمعن الأنظمة في تكريسه سوف يكون عائقا دائما أمام أية عملية تغيير، ما لم تنتبه الشعوب الغارقة فيه نفسها إلى خطورته عليها، فتبدأ هي أولا عملية تغيير ذاتية في طريق التغيير الشامل والكلي.