الشعبوية والعنصرية باقيتان بعد ترامب وبقوة

16 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يحاول صموئيل هنتنغتون، في كتابه "من نحن؟ التحدّيات التي تواجه الهوية الأميركية" إعادة صياغة علاقة الولايات المتحدة مع العالم الخارجي، واضعًا أسسًا جديدة لتعريف الولايات المتحدة نفسها من خلال نظرة تقول إن "المصالح الوطنية تشتق من الهوية الوطنية. وعلينا أن نعرف من نحن قبل أن نتمكّن من معرفة ما هي مصالحنا". ولأن الهوية تحتاج إلى خطر خارجي لصقلها وبلورتها، يقرّر هنتنغتون أن الهوية الأميركية بدأت مرحلة جديدة مع القرن الجديد، وتتشكل أهمية هذه المرحلة وجوهرها بقابلية أميركا للخطر أمام هجوم خارجي، وانعطاف جديد إلى الدين في الولايات المتحدة محدّدًا رئيسيًا للهوية الأميركية.

حسب هنتنغتون، خاض الأميركيون حروبهم في القرن العشرين عبر آلاف الأميال من المحيط الذي جلسوا وراءه آمنين وأحرارًا. وقد وفر الأمن الجغرافي السابق الذي عرّفوا فيه أنفسهم أمة. وجاء "11 سبتمبر" ليوقظهم بقسوةٍ على حقيقة جديدة، أن المسافة لا تعني عدم التعرّض للخطر، وبذلك وجد الأميركيون أنفسهم في حربٍ جديدةٍ على عدة جبهات، كان أهمها في الداخل. وعلى الرغم من أن الرئيس بوش قال بعد "11 سبتمبر" في 2001 "نرفض أن نعيش في الخوف"، إلا أن هنتنغتون يرد على هذا الكلام، ويقول "لكن العالم الجديد مخيف، وليس لدى الأميركيين خيار سوى أن يعيشوا مع الخوف، إن لم يكن في الخوف". يحدّد هنتنغتون "القابلية للخطر" بوصفها مسألة مركزية لطريقة تعريف الأميركيين أنفسهم في هذه المرحلة الجديدة من تطوّر هويتهم الوطنية.

تختلف المرحلة الجديدة التي تعيشها الهوية الأميركية عن التي سادت في القرن العشرين، بتراجع دور الإيديولوجيا في تحديد الهوية الأميركية، والتي لعبتها طوال القرن العشرين، خصوصًا في النصف الثاني منه، في تحديد ذاتها في مواجهة الخطر الشيوعي. ويعتقد هنتنغتون أن "11 سبتمبر" جسّد نهاية إيديولوجيا القرن العشرين والصراع الإيديولوجي، وبداية عهد جديد يعرّف فيه الشعب نفسه بلغة الثقافة والدين بالدرجة الأولى. وأعداء الولايات المتحدة الحقيقيون والمحتملون هم اليوم مقاتلون إسلاميون ذوو دوافع دينية وقوميون صينيون بلا إيديولوجيا على الإطلاق.

بدأ القرن الحادي والعشرون عصرًا للدين، وتواجه نماذج الدولة العلمانية الغربية فيه تحدّيات وتستبدل بأخرى

في هذه البيئة، يعتقد هنتنغتون أن هوية الأميركيين الدينية تصبح عنصرًا ضروريًا وحاسمًا في تشكيل هويتهم، فنهوض الدين عالمي، ففي الربع الأخير من القرن العشرين، انعكست السيرة باتجاه العلمانية بالتزامن مع نهوض جديد للدين عالميًا، وقد ظهر ذلك في كل جزء من العالم تقريبًا، ما عدا أوروبا الغربية. وقد فازت الحركات السياسية الدينية بمؤيدين من أماكن أخرى من البلدان في كل العالم. وفي هذه البلدان، لم تكن غالبية هؤلاء الأفراد من كبار السن، بل شبابًا ومن الطبقة الصاعدة على السلم الاجتماعي، موظفون كبار ومثقفون ومهنيون .. إلخ. على هذا، بدأ القرن الحادي والعشرون عصرًا للدين، وتواجه نماذج الدولة العلمانية الغربية فيه تحدّيات وتستبدل بأخرى. ويعني ذلك كله بروز سمة الدين المتزايدة في هوية الأمم والشعوب، وازدياد ارتباط الدين بالنزاعات في عدة أجزاء من العالم أيضًا. ولكن ما الذي دفع الهوية الأميركية بهذا الاتجاه، وبلور المسار المتراكم منذ سنوات، وحوّله إلى معطى نوعي؟

يقول هنتنغتون إن النظرية الاجتماعية والأدلة التاريخية تشير إلى أن غياب عدو خارجي يشجع الفرقة الداخلية. ليس من المفاجئ أن اضمحلال الحرب الباردة ونهايتها زادا في نمو الهويات الفرعية في أميركا على حساب الهوية الوطنية الأميركية. كما ترك انهيار دول المعسكر الاشتراكي الديمقراطية الأميركية من دون منافس إيديولوجي علماني ذي أهمية، وتركت الولايات المتحدة من دون منافس مكافئ، وبذلك أنتج غياب التهديد الإيديولوجي فقدان الهدف. وقد باتت الولايات المتحدة بلا عدو، ودارت في التسعينايت مناظرات واسعة في الولايات المتحدة بشأن تحديد هوية العدو المحتمل. في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أنهى أسامة بن لادن بحث أميركا عن عدو. عندما هاجمها، فعل شيئين إضافيين: ملء الفراغ الذي أحدثه غورباتشوف بعدو جديد خطير، وحدّد هوية أميركا بدقة أمة مسيحية.

استطاع ترامب أن يهزّ النظام الأميركي، ويصنع شرخًا في المجتمع، وهيّج الاتجاهات الشعبوية والعنصرية التي وجدت فرصتها في إعلان نفسها قوة مؤثرة في الساحة السياسية الأميركية

إذا كانت الهوية هي المحدد الذي تشتق منه المصالح، كما يعلمنا هنتنغتون، وإذا كانت الهوية الأميركية في القرن الواحد والعشرين، كما يخبرنا، تقوم على الدين أساسًا، يظهر ترامب كأنه تعلم درس هنتنغتون، وحاول صياغة المصالح الأميركية في مواجهة كل العالم، بما فيه حتى حلفاء أميركا، بطريقته الفجّة. ولأن المصالح تعني الاقتصاد، فقد حوّل ترامب إدارة اقتصاد الأميركي مع الآخرين إلى اقتصاد ابتزازي. بالبحث بفجاجة عن هذه المصالح، وعقد صفقات اقتصادية تحت وقع التهديد. ومع فشل الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان، وعدم فعالية تحديد الحركات الجهادية الإسلامية بوصفها العدو الرئيسي، طفا على السطح الشعار الأميركي "أميركا أولًا". بدأ هذا مع محاولة تلافي نتائج الحروب الأميركية الخارجية الفاشلة بسحب القوات الأميركية وإعادتها إلى البلاد. لكن "أميركا أولًا" تحول إلى شعار فارغ من المضمون، وشحنته من جديد الحركات الشعبوية واليمينية في المجتمع الأميركي، وهي القوى التي ساهمت بدخول ترامب البيت الأبيض. ومع ترامب، تم استخدام الشعار في مواجهة الجميع، أعداء وحلفاء. لم يتعامل ترامب مع المكسيك باحتقار، بل تعامل مع ألمانيا كذلك. واستكمالًا لتحليل هنتنغتون الذي يقول إن غياب عدو خارجي يشجّع الفرقة الداخلية، يمكن اعتبار صعود الشعبوية والعنصرية في الولايات المتحدة جاء في ظل سياسات أميركا الانعزالية من الجمهوريين والديمقراطيين، وليستكملها ترامب في أسوأ أداء سياسي، معزّزًا أسوأ الاتجاهات الشعبوية والعنصرية بمسحتها الدينية التي وجدت الفرصة لإعلان عن نفسها بطريقة استعراضية، وصولًا إلى الاستعراض الأكبر باقتحام مبنى الكونغرس. 

خسر ترامب الانتخابات، وسيغادر البيت الأبيض، لكن هذا الرجل الذي جاء من خارج النخبة السياسية الأميركية التقليدية لم يستطع أن يصنع في ولايته الوحيدة شرخًا في العالم فحسب، بل استطاع أن يهزّ النظام الأميركي، ويصنع شرخًا في المجتمع، وهيّج الاتجاهات الشعبوية والعنصرية التي وجدت فرصتها في إعلان نفسها قوة مؤثرة في الساحة السياسية الأميركية. وهذه القوى لن تغادر الساحة السياسية مع مغادرة ترامب البيت الأبيض، بل ستبقى طويلًا تشكل حالة مقلقلة للنظام السياسي الأميركي.