الشعبوية والديمقراطية الليبرالية

الشعبوية والديمقراطية الليبرالية

10 يناير 2022
الصورة
+ الخط -

ينطلق تاكيس س. باباس، في تناوله الشعبوية في كتابه "الشعبوية والديمقراطية الليبرالية" (ترجمة: عومرية سلطاني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2021) من تجربة بلاده، اليونان، التي شهدت صعود أول حزب شعبوي (حزب باسوك) إلى السلطة في أوروبا عام 1981، تحت قيادة أندرياس باباندريو، بوصفها تقدّم شروطاً تقترب من التجريب، وتسمح بدراسة مختلف الجوانب والمراحل المتعاقبة من النمو الشعبوي، بدءاً من الانبثاق المبدئي، مروراً بالتطور اللاحق، ووصولاً إلى الصعود إلى السلطة ونقل العدوى إلى السياسة. وعليه، تقدّم اليونان مثالاً عن حالة واضحة لنظام سياسي تصادمت فيه الليبرالية والشعبوية بعنف، حيث فازت الشعبوية في النهاية، لكنها أفرزت عواقب وخيمة على الدولة والشعب اليونانيين.  
ويكتسي الكتاب طبيعة مقارنة من خلال سعي المؤلف إلى تقديم دراسة عن الشعبوية، تهدف إلى اكتشاف القوانين، عبر دراسة علمية تحليلية تجمع بين النظرية ودراسات الحالة، وإلى الكشف عن التفسيرات السببية والوصول إلى مقترحاتٍ عامة، إلى جانب تقديم تحليل يستند إلى تقاليد السياسة المقارنة ممثلة في ثلاث ركائز: أولها، المؤسساتية الكلية، التي تعترف بوجود منظمات سياسية رسمية وقواعد مؤسسية طويلة الأمد، تنظّم التطورات السياسية والتغيير الاجتماعي. ثانيها، البنيوية الجزئية التي تعمل على تحريك الأنظمة السياسية وتنظّم حركتها. ثالثها، نظرية الاختيار الفردي التي تنطبق على القادة السياسيين وعلى الناخبين أيضاً، والتي تعمل على دمج الفاعلية السياسية في المشهد، سواء على مستوى الساسة أم على مستوى الناخبين. 
وينظر مؤلف الكتاب إلى الشعبوية باعتبارها ظاهرة جديدة تعارض الليبرالية السياسية الحديثة، وتحاول أن تحل محلها. ويركّز نطاق تحليله على أوروبا خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعلى الأميركيتين، الجنوبية والشمالية، عبر تناول أمثلةٍ وأدلةٍ تجريبيةٍ من عدة دول فيها، مع مراعاة معياري المكان والزمان اللذين يخصّان الديمقراطيات الناشئة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من جهة؛ ومعيار الدلالة السياسية الخاص بالديمقراطيات ذات التراث الليبرالي وشهدت صعود الشعبوية من جهة أخرى. وتشمل قائمة تلك الدول كلا من الأرجنتين واليونان وبيرو وإيطاليا وفنزويلا والإكوادور والمجر والولايات المتحدة. وبالتالي، لا يولي الكتاب أهمية كبيرة للأنظمة الأوتوقراطية وغيرها من الدول غير الديمقراطية، ومنها، على سبيل المثال، روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين، وتركيا تحت حكم رجب طيب أردوغان، وإيران تحت حكم الملالي، وسائر الدول العربية، والتي على الرغم من أن أغلب أنظمتها توصف بأنها شعبوية، إلا أنها لا تفي بمعايير الكتاب الخاصة، سواء بالديمقراطية أو بالليبرالية.

يخص المؤلف، تاكيس. س. باباس، في كتابه، نوعا معينا من الشعبوية، هو الشعبوية الحديثة، التي شهدتها أوروبا وأميركا في أعقاب الحرب العالمية الثانية

وإذا كان مصطلح الشعبوية قد جرى تداوله منذ عهد الرومان، وجرى اشتقاقه من الكلمة اللاتينية "بابولوس" وتعني الشعب، إلا أن الشعبوية، منذ ذلك الحين، تستخدم لوصف حركات وأحزاب سياسية كثيرة تطرح عادة أطروحات وأهدافا غير منطقية، بل ومتناقضة في بعض الأحيان. وبالتالي، لا يمكن تغطية التاريخ الواسع لهذا المصطلح. لذلك يخص المؤلف، في كتابه، نوعا معينا من الشعبوية، هو الشعبوية الحديثة، التي شهدتها أوروبا وأميركا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث تخلصت دول عديدة من الأنظمة والمذاهب الشمولية، بحثاً عن نظام سياسي جديد يمنح الأولوية لحقوق الفرد والمجتمع، ويسعى إلى توافق الآراء والأطروحات السياسية، ويحترم سيادة القانون واستقلالية القضاء، وقد وجدت ضالتها في الديمقراطية الليبرالية، مع الإشارة إلى أن مصطلح "الليبرالية" لا يُنسب إلى أي حركة أو حزب سياسي، وتعرّض لتغيرات وأقلمات عديدة.
ومن البداية، يتساءل المؤلف عن ماهية الشعبوية، باستعراض الطرق التي درس بها المفكرون والباحثون الشعبوية، ثم ينتقل إلى كشف الأخطاء المفاهيمية والمنهجية الشائعة، مثل الاهتمام بمقولة الجنس والنوع، والإفراط المفاهيمي، والنفي المعاكس للمصطلح، والصعوبات المتعلقة باستخدام المفهوم إجرائياً، وذلك بغية اجتراح مفهومٍ للشعبوية، يمكنه تفسير الدراسة المقارنة للشعبوية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. 
وتمتد الأسئلة التي يطرحها لتطاول كيفية تمييز الشعبويين عن غيرهم، بغية فحص التناقض بين الشعبوية الحديثة وتنويعات الليبرالية التي تطوّرت في أوروبا ما بعد الحرب والأميركيتين على وجه الخصوص، ووضع تصنيفٍ شامل لماهية الأحزاب الشعبوية، وتمييزها عن غيرها، إلى جانب قائمة تصنف الأحزاب المعادية للديمقراطية، أي التي تتبنّى نزعات أصلانية والأحزاب الإقليمية والانفصالية، ثم يطرح التساؤل عن مسبّبات الشعبوية، تلك المتعلقة بأساسيات الشعبوية الضرورية لتسيير ظهورها، ومنها فكرة الشعب، والزعامة السياسية، والخطاب الرمزي، الأمر الذي يقود إلى تبيان الكيفية التي تزدهر وفقها الشعبوية من خلال تحليل تفصيلي لأهم حالات ظهور الشعبوية في أوروبا وفي الأميركيتين، اللاتينية والشمالية، وخصوصا تقديم تحليل إمبريقي لصعود الشعبوية في كل من الأرجنتين خلال ولاية خوان بيرون الأولى (1946 - 1952)، واليونان تحت حكومات أندرياس بابندريو (1981 - 1989)، وفنزويلا تحت قيادة هوغو شافيز (1999 - 2013)، والمجز تحت قيادة فيكتور أوربان (منذ 2010) والولايات المتحدة في عام 2016 مع وصول دونالد ترامب إلى حكمها. ولعل السؤال البارز يتجسّد في الكيفية التي يحكم فيها الشعبويون الذي تقود إجابته إلى تبيان الكيفية التي ترسّخ فيها الأحزاب الشعبوية سلطتها من خلال الاستيلاء على المناصب الإدارية العليا في الدولة وحرمان المؤسسات الرئيسة من الاستقلالية، سيما القضاء، وسلطات الدولة المستقلة، ووسائل الإعلام. ثم يجري استكشاف الناخب الشعبوي وتحديده، من خلال تحديد رؤيته للعالم، ومعتقداته الرئيسية، وسمات التصويت لديه، حيث تظهر الأمثلة الإمبريقية أن جميعها تتميز باللاعقلانية، والحكم المتحيّز، وغياب للمسؤولية السياسية. وتنتهي أسئلة الكتاب بسؤال عن الكيفية التي تهدّد بها الشعبوية الديمقراطية، والتي تقود إجابته إلى الإجابة عن مجموعة أسئلة يمكن تعلمها من الدراسة المقارنة لما حدث في الدول التي حكمتها الشعبوية، والمسارات التي عايشت الحكم الشعبوي فيها، ومدى التهديد الذي تشكّله الشعبوية على الديمقراطية الليبرالية.

يأخذ المؤلف على تطورات المفاهيم عن الشعبوية في أن معظمها ماهية أكثر منها أنطولوجية، كونها تستند إلى مجموعة من السمات أو الصفات لتحديد ماهية الظاهرة

وتكمن أهمية الكتاب في تقديمه دراسة علمية مقارنة للشعبوية من الناحيتين، المفاهيمية والمنهجية والإمبريقية، والتحليلية، والنظرية، والتي تتطلب إعادة مفهمة الشعبوية، بدءا من إعادة بناء المفهوم من خلال النظر في أدبياته، وتفحّصها في مختلف الأوساط البحثية والأكاديمية ومختلف الجهود التي استهدفت القبض على معنى الشعبوية، وفق مصطلحات تحليلية إبستمولوجية، ثم ينتقل إلى استخراج خصائص المفهوم وسماته.
وعلى الرغم من أن مياهاً كثيرة قد جرت في نهر الدراسات العلمية للشعبوية خلال العقود والسنوات الأخيرة، إلا أن الغموض وعدم اليقين بقيا يحيطان بالشعبوية. لذلك يأخذ المؤلف على تطورات المفاهيم عن الشعبوية في أن معظمها ماهية أكثر منها أنطولوجية، كونها تستند إلى مجموعة من السمات أو الصفات أو غيرها من الخصائص لتحديد ماهية الظاهرة، أي أنها، بمعنى آخر، تحاول التقاط خصائصها الخارجية أو الشكلية، فيما تتغاضى عن مكوّناتها الفعلية، أي عن موضوعها، مثل التمركز حول الشعب، ومناهضة النخبوية، وتجانس الشعب، والديمقراطية المباشرة، ونزعة إلى الإقصاء، وإعلان الأزمة، ولغة مبسّطة، وصورة الأجنبي، ونمط الاتصال المباشر، والاستقطاب، ومركزية الزعيم، وعلاقة فضفاضة بين الزعيم والأتباع. ويرى أن المطلوب هو التركيز على الخصائص الجوهرية للمفهوم، أي إلى الانطولوجيا العامة للشعبوية، محذّراً من تمطيط المفهوم وشدّه إلى الحد الذي يصير فيه بلا معنى.
وعلى أساس تجريد الشعبوية إلى أساسياتها، يمكن تعريفها بالفكرة التي تقول إن السيادة السياسية تنتمي إلى للشعب، والتي ينبغي أن يمارسها بصرف النظر عن المؤسسات. وهذه المفهمة تعني الالتزام بأربع سمات أساسية للشعب: تتمثل، أولاً، في قدرته على تشكيل أغلبية سياسية. وثانياً، في أن طبيعته المزعومة عن تجانسه وتساميه. وثالثاً، خضوعه لمؤسسات غير شخصية. ورابعاً إيمانه بأنه يحظى بالحق الأخلاقي. وكل هذه السمات معادية للديمقراطية الليبرالية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تقبل أنظمتها السياسية أن المجتمع مليء بالانقسامات المتشعبة التي تنتج صراعات، وذلك يقتضي بحث شرائح وفئات عديدة في المجتمع عن أرضية مشتركة لهذه الانقسامات، إضافة إلى أن الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تركز على سيادة القانون وحماية حقوق الأقليات، حسبما هو منصوص عليه في دساتير (وقوانين) الدول التي تحكمها، لذلك تمانع طغيان الأغلبية، وتعمل على تعزيز التعدّدية الاجتماعية، وحماية الفصل بين السلطات، بحيث تسمو على المصلحة الفردية، وتدعو إلى عقلانية الغايات وليس أخلاقية الوسائل. 

ساهمت الديمقراطية الليبرالية الحديثة في جلب الاستقرار للدول التي تبنّتها، ومكّنت من إنشاء مجالات متعدّدة للمشاركة والاحتجاج

ووفق فهمٍ ينهض على تقليص خصائص المفهوم إلى حقائقه الأساسية، تجنباً للوقوع في فخ الماهوية، يجترح المؤلف مفهمة جديدة للشعبوية، تتجسّد في أنها لاليبرالية ديمقراطية، معتبراً أنها تحقق فهماً واضحاً لما يشكّل أنطولوجيا الشعبوية الخاصة بالمفهوم، اعتماداً على خصائصه الأساسية، أو سماته، والتي تشكل ماهية الظاهرة بالفعل. 
ويرى المؤلف أن تعريف الشعبوية بأنها لاليبرالية ديمقراطية يميز فئة كاملة من الظواهر السياسية التي تتطوّر في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، والتي يجمع أعضاؤها بين سمتين فقط، اللاليبرالية والديمقراطية، وتشمل، على سبيل المثال، القادة الأفراد، والحركات والأحزاب، والنظم السياسية، والإيديولوجيات، والخطابات السياسية، والأشكال الخطابية، والإجراءات الرمزية، وبرامج السياسات. كما أن المفهمة الجديدة للسردية الشعبوية الحديثة، بوصفها لاليبرالية ديمقراطية، تقدّم مزايا منهجية رئيسية، كونها تجري فرزاً كافياً لكل أوجه القصور التي اعترت الأدبيات الخاصة بالشعبوية.
وإذا كانت الديمقراطية الليبرالية الحديثة قد ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، بوصفها نظاماً سياسياً جديداً بأسسها القانونية الخاصة بها، وقواعدها الإجرائية، وأهدافها المعيارية، وشرعيتها السياسية، فإنها ساهمت في جلب الاستقرار للدول التي تبنّتها، ومكّنت من إنشاء مجالات متعدّدة للمشاركة والاحتجاج، كالأحزاب السياسية، وجماعات المصالح، والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني، الأمر الذي أفسح المجال لتطور الممارسات الديمقراطية الليبرالية، من خلال انتخابات حرّة ونزيهة، وصعود الحركات الاجتماعية، وتوسيع الحقوق الفردية والاجتماعية، وانتشار فرص التعليم وتوسيعها، والإنتاج الرمزي المتواصل للمعاني والأفكار الجديدة، ولكنها، مثل أي نظام حكم، لا تحلّ كل شيء، بل شهدت الديمقراطية الليبرالية سلسلة من الإخفاقات التاريخية، مثل إنهاك الديمقراطية الاجتماعية، والأزمات المتكرّرة للرأسمالية، وتعقيدات العولمة، والقلق العميق من التعدّدية الثقافية، وعدم القدرة على مواجهة التحديثات الجديدة، تلك المتعلقة بمشكلات الهجرة واللاجئين، كما ازدادت في ظلها فجوة الثروة المتزايدة التي أوجدت مجتمعاتٍ تفتقر للخدمات، ولا تثق في جيرانها من المجتمعات الثرية وقادتها السياسيين. وشيئاً فشيئاً، توقفت الليبرالية عن كونها المشروع الاستثنائي، وصارت روتينية، ثم غابت عنها المبادئ، وسادها التلفيق والتزوير، بعد أن أوهن الفساد السياسي، في بعض الحالات، ثقة الشعب أكثر بها، فازدادت الشكوك بها، ونما السخط بالساسة وأحزابهم، وصار المواطنون يبحثون عن قادةٍ جدد، يضعون احتياجات الشعب أولاً.

مشكلة الشعبوية الرئيسة أنها تفتقر إلى برنامج سياسي خاص بها، على الرغم من كل ادّعاءاتها الأخلاقية

وشعر الناخبون من عامة الشعب أن مصالحهم لم يحسُن تمثيلها، وراحوا يتساءلون عن جدوى الطابع التمثيلي للديمقراطية الليبرالية، مع فقدانهم الثقة في النحب السياسية الليبرالية، الأمر الذي فتح الباب أمام القادة الشعبويين في تقديم حلول بسيطة تعد بأن تحل كل الإشكالات، وبأن تمنح الشعب الشعور بالسيادة مرة أخرى. وقد استغل الشعبويون القدرة المحدودة للنخب السياسية الليبرالية، وأوجه القصور التي تعاني منها، وإخفاقاتها، كي يصوّروا الديمقراطية الليبرالية ثابتة وغير مرنة، وفاقدة شرعيتها السابقة، ورهينة لدى البيروقراطيات غير الأخلاقية، وخاضعة للمؤسسات العتيقة. 
ويعرّف القادة الشعبويون أنفسهم على أنهم يمثّلون إرادة الشعب، وأنهم يضعون مصالح الشعب فوق المؤسسات التي تحمي حقوق المجتمع والفرد. ويجادلون بأن هنالك أقلية حاكمة ذاتية الخدمة، تسعى إلى السيطرة على الأغلبية الساحقة من شرفاء عامة الشعب. وعليه، لم تعد السياسة تتمحور حول البحث عن تسوية الآراء السياسية وتوافقها عبر المؤسسات التي تنعم بالديمقراطية والتقبل، بل بإطاحة نظام متهالك. وتمكن الشعبويون من ترويج أفكارهم اللاليبرالية بصورة مغرية في عدد من الدول، لكن ذلك لا يعني أن الشعبوية لا تُقهر، فمشكلتها الرئيسة أنها تفتقر إلى برنامج سياسي خاص بها، على الرغم من كل ادّعاءاتها الأخلاقية. وعليه، يرى المؤلف أنه من أجل هزيمة الشعبوية، تحتاج الليبرالية إلى بداية راديكالية وجديدة. ويتطلب ذلك توحيد المعارضة الليبرالية في شكل قوة سياسية رئيسة، وتحرّكها فكرة راديكالية واقعية عن إعادة تشكيل ليبرالية للمجتمع، وذلك كله لا يمكن تحقيقه إلا بوجود قيادة تضع برنامجاً واقعياً وجذرياً للمستقبل، وتنظيماً قادراً على تنفيذ مثل هذا البرنامج.