الشرع في موسكو ... الحاجة والضرورة

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:35 (توقيت القدس)

الرئيسان السوري أحمد الشرع (يمين) والروسي بوتين في موسكو (15/10/2025 Getty)

+ الخط -

ينطلق هذا المقال من مُحاججة استراتيجية مفادها صعوبة أن تكون سورية تابعة للفلك الأميركي بالمعنى الاستراتيجي القائم بين الولايات المتحدة ودول ما يطلق عليها اسم الاعتدال العربي: الأردن ودول الخليج وغيرها.

لا يتعلّق الأمر باختلاف الأيديولوجيات والأمزجة السياسية، وإنما بالجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية الكبرى، فلا يمكن تحت أيّ شكل أن تكون سورية جزءاً من المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية إلا في حالة تكرار المسار المصري ـ الإسرائيلي في الحالة السورية، أي توقيع معاهدة سلام تُعيد فيها إسرائيل الجولان بالكامل إلى سورية مع ترتيبات أمنية مُشتركة وترتيبات اقتصادية واسعة على المستوى الدولي.

ولمّا كان هذا الأمر يبدو مستحيلاً في الأمدين، القريب والمتوسط، لاختلاف المناخ الدولي والإقليمي مقارنة مع سبعينيات القرن الماضي، ولاختلاف موازين القوى الهائل بين إسرائيل وسورية، فإنّ الحلّ المطروح أميركياً وإسرائيلياً لسورية هو القبول بالواقع الحالي القائم المُتمثّل في إبقاء الوجود العسكري الإسرائيلي على جبل الشيخ الاستراتيجي، وتأجيل مناقشة مصير الجولان إلى أجل مفتوح، أو على الأقل إيجاد صيغة تبقى فيها إسرائيل بشكل من الأشكال ضمن معادلة الجولان. ... بعبارة أخرى، المطلوب من سورية ليس أن تصبح دولة مستسلمة كامل الاستسلام للمصالح الإسرائيلية فحسب، بل أيضا أن تقبل بالتدخل الإسرائيلي في الشأن السوري الداخلي، ولربما لهذا السبب تعطّل مسار التفاوض بين الجانبين أو توقّف.

الرضى الأميركي عن سورية الجديدة يتطلّب القبول بما تريده إسرائيل

أدرك الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً هذه المعادلة، فالجولات التفاوضية بين سورية وإسرائيل خلال الأشهر الماضية برعاية أميركية كشفت له أنّ الرضى الأميركي عن سورية الجديدة يتطلّب القبول بما تريده إسرائيل، وما تريده إسرائيل لا تتحمّله سورية والسوريون، كما كشفت له هذه المفاوضات أنّ إسرائيل لا تفهم لغة السلام أبدًا، بل تفهم لغة القوّة فقط.

لماذا روسيا؟

ضمن هذه المقاربة، تكون زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو زيارة طبيعية جدّاً في عالم السياسة، بل هي ضرورية للغاية من الناحية الاستراتيجية، فسورية اليوم بحاجة ماسّة إلى روسيا أكثر من أيّ يوم مضى، خصوصاً في مسألة تسليح الجيش السوري، إذ وفق التسريبات الإعلامية ركّز الشرع في البداية على مسألة حصول سورية على منظومات صواريخ، وهذا يعني أنّ الأولوية السورية حالياً وضع حدّ للطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية.

وبلغة الحرب امتداد للسياسة، فإنّ هذه الخطوة ستُقوّي موقف الشرع التفاوضي مع إسرائيل، حيال النقاط الجغرافية التي تسيطر عليها إسرائيل في العمق السوري وحيال مصير الجولان، بعدما تبيّن له أنّ السياسة من دون مقوّمات القوة العسكرية أداة فاشلة للتعامل مع المطامع الإسرائيلية في سورية.

لتحقيق ذلك، لا يوجد أمام سورية سوى روسيا، لأسباب عدّة، أهمها: أولًا، ثمّة علاقة تاريخية بين البلدين يمكن البناء عليها، خصوصاً في المجال العسكري، حيث الخبرات العسكرية السورية هي منذ أجيال خبرات روسية بامتياز.

ثانيًا، عملية تحويل منظومة الجيش السوري بالكامل من السلاح الروسي إلى السلاح الغربي عملية معقّدة وذات تكاليف مالية هائلة، فضلاً عن أنّ مثل هذه الخطوة تتطلّب تغييرًا استراتيجيًا في السياسة السورية (القبول بالمطالب الأميركية ـ الإسرائيلية)، ومن دون حصول هذا التغيّر لا تقبل الولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب بشكل عام، توفير نظام عسكري غربي لسورية.

أيّة علاقة بين سورية وروسيا تُرضي الجانبين كفيلة بتحويل القدرات الروسية لصالح السلطة السورية

ثالثا، ستكون عملية تسليح روسيا لسورية خارج المنظومة الدولية للعقوبات على سورية، فبحكم المعاهدة العسكرية بين روسيا والنظام السوري السابق، تستطيع روسيا جلب ما تريده من سلاح إلى سورية.

رابعاً، من وجهة نظر سورية، الرغبة الاستراتيجية الروسية في إبقاء حضورها العسكري في المياه الدافئة، إذا ما أضيفت إلى سنوات الحرب الروسية في سورية وتدميرها لبنى تحتية، فإنّ روسيا مستعدّة لتقديم مساعدات هامة إلى سورية: تسليح، وقود، قمح، إعادة إعمار، تدريب خبرات... إلخ.

خامسًا، تمتلك روسيا خبرة كبيرة في سورية ولديها علاقات مُتشابكة مع كلّ أطراف المجتمع السوري، ما يؤهلها للعب دور بارز وهام في الساحة السورية خلال هذه المرحلة، وإذا ما أضيف إلى ذلك وجود عسكري روسي في مطار القامشلي وفي قاعدتي حميميم وطرطوس، يصبح الدور الروسي في سورية ذا أهمية أكبر بالنسبة للحكم المؤقّت في سورية.

سادساً، أرسلت موسكو منذ سقوط نظام الأسد، وربما قبله، إشارات إلى تقبّلها الواقع الجديد في سورية، وأنّها يمكن أن تتعامل معه، فبالنسبة إليها ضرورة إبقاء العلاقات قوّية بين الدولتين من أجل الحيلولة دون فقدان نفوذها في سورية، وبالتالي في المنطقة. وعليه، تبدو روسيا على استعداد للتعامل مع سورية الجديدة في إطار المصالح الاستراتيجية للبلدين، وهو إطار يتجاوز الشخوص وطبيعة الأنظمة الحاكمة.

سابعاً، لروسيا قدرة على القيام بعرقلة جهود حكومة الشرع في توحيد البلاد، فبحكم وجودها العسكري في سورية (وإن كان قليلاً) وبحكم علاقاتها مع شخوص نظام الأسد المتبقين في سورية، وبحكم علاقاتها بـ "قوات سوريا الديمقراطية"، والعشائر العربية في البادية السورية، وبحكم علاقاتها بدروز السويداء، يمكن لروسيا أن تلعب دوراً مخرّبا، وبالتالي، أيّة علاقة بين سورية وروسيا تُرضي الجانبين كفيلة بتحويل القدرات الروسية لصالح السلطة السورية.

عملية تحويل منظومة الجيش السوري بالكامل من السلاح الروسي إلى السلاح الغربي عملية معقّدة وذات تكاليف مالية هائلة

ثامنًا، جاء الشرع إلى السلطة في وقت عصيب جدّا تمرّ به المنطقة، حيث التجاذبات في أعلى مستوياتها، وحيث العلاقات الإقليمية والدولية مُتداخلة، بقدر ما هي مُتخارجة، في وقت لم تتضح بعد معالمها وشكلها الكلي بشكل جلي.

تاسعًا، بغضّ النظر عن العلاقات المتوتّرة بين روسيا والغرب، والحصار الاقتصادي والسياسي الذي يفرضه الأخير، تبقى روسيا قوة كبرى على المستوى الدولي، وهي عضو دائم في مجلس الأمن لها حقّ استخدام الفيتو (النقض)، الأمر الذي لا يمكن تجاهله بالنسبة لسورية التي تتلمس طريقها نحو الحصول على الشرعية الدولية، وعلى إزالة اسمها من قوائم العقوبات الدولية وتصنيفات الأمم المتحدة حول الإرهاب.

في ضوء ذلك، من الأهمية بمكان أن تكون روسيا جزءاً من المقاربات السورية في المنطقة، في نوع من التوازن الاستراتيجي يُقدّم لسورية منافع أكثر بكثير من بقاء روسيا خارج المعادلة السورية.

هذه المعطيات السابقة بمجملها، تجعل العلاقة بين سورية وروسيا ضرورة استراتيجية كبرى في ضوء المتغيّرات الاستراتيجية التي حصلت في المنطقة خلال العامين الماضيين.

دلالات استقبال الشرع

للسياسة أحيانا لغتها السيميائية (الرموز، الطقوس)، وهي لغة تبدو ضروريةً ليس على مستوى الشكل فحسب، بل أيضًا على مستوى المضمون، لما تحمله من إشاراتٍ ورموزٍ مُضمرة تستهدف شخصًا بعينه.

لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استقبال الرئيس الشرع في أثناء خروجه من سيارته، بل كان على الأخير صعود درج الكرملين الطويل جدّاً للوصول إلى "سلطان" موسكو، مع ما في ذلك من ترميز سياسي مفاده بأنّ الوصول إلى بوتين يتطلّب جهدًا، وهو جهد يبدو أنّ الشرع كان مستعدّاً له، حين مازح بوتين بالقول "درجكم طويل وجيد أنني ألعب الرياضة". غير أنّ سيمياء الدبلوماسية الروسية لم تقتصر على ذلك، فقد حملت رسائل متضاربة في الوقت نفسه، إذ حظي الرئيس السوري باستقبال حافل في الكرملين، حيث خُصّصت القاعة الخضراء في الكرملين لاستقبال الوفد السوري، وهي قاعة الاستقبال الرسمية الأفخم في القصر الرئاسي، ولم يكن قد زارها الرئيس المخلوع بشّار الأسد.

تبدو روسيا على استعداد للتعامل مع سورية الجديدة في إطار المصالح الاستراتيجية للبلدين

بلغة السياسة، يعني ذلك أنّ قادة الكرملين يولون أهمية كبيرة لزيارة الشرع، وأنّ هذه الزيارة قد تشكّل صفحة جديدة ومهمّة يحتاجها البلدان في هذه المرحلة، وليس شمول الوفد الروسي على وزيري الدفاع أندريه بيلاوسوف، والخارجية سيرغي لافروف، ونائب رئيس إدارة الرئاسة مكسيم أوريشكين، ومساعد الرئيس لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، إلا دليلا على أهمية هذا اللقاء بالنسية لموسكو.

رسميًا، افتتح الرئيس بوتين اللقاء بالتأكيد على الجانب الإيجابي والتاريخي الذي يجمع البلدين، فأكد "على عمق الصلات التاريخية التي ربطت روسيا بسورية أكثر من 80 عاما، وقد تأسّست في أصعب الأوقات التي مرّت بها روسيا والاتحاد السوفييتي عام 1944.. وأن علاقة روسيا مع سورية كانت دائما تسترشد بمصالح الشعب السوري، لا بالمصالح السياسية أو الظروف الخاصة بموسكو".

كانت هذه عبارات تطمينية هامة للشرع الذي سرعان ما طمأن بوتين بأنّ "سورية تحترم كل ما مضى من اتفاقيات وهذا التاريخ العظيم، ونحاول أن نعيد ونعرف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات وأن تكون هناك استقلالية للحالة السورية وسلامة أراضيها ووحدتها واستقرارها الأمني المرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي".

نتائج القمّة

من المبكّر الحديث عن نتائج قمّة الشرع بوتين وتجسّداتها المادية، لكن يبدو واضحا أن الجانبين اتفقا على إعادة تفعيل العلاقة بينهما كما كانت في السابق على كافة المستويات، وهو ما عبّر عنه نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، في ختام المحادثات، من أنّ الجانبين توصّلا إلى اتفاق لإعادة إطلاق عمل اللجنة الحكومية المشتركة، وعلى دعم روسيا لقطاعات الطاقة والنفط والنقل والمواد الغذائية. غير أنّ أهم مجال بالنسبة للبلدين وله الأولوية القصوى، الجانب العسكري المتعلّق بالاتفاقيات العسكرية الموقّعة إبّان حكم النظام السابق باعتبارها حجر الرحى في أيّة علاقة مستقبلية ذات جدوى بين الدولتين.

بالنسبة لروسيا، أسّست هذه الاتفاقيات لوجودها العسكري طويل الأمد في سورية والمنطقة، وجعلت من روسيا على تماسّ مباشر مع الفرقاء الإقليميين (تركيا، إسرائيل) الأمر الذي حوّلها إلى محطة لا يمكن تجاوزها، خصوصاً مع إسرائيل التي كانت تُنسق هجماتها في سورية مع الروس، فقاعدة طرطوس البحرية تؤمّن الدعم اللوجستي للقوات الروسية في البحر المتوسط وشمال أفريقيا وشرقها، ومن دون هذه القاعدة سيكون التأثير الروسي في هذه المنطقة ضعيفًا للغاية. أما قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، فهي تؤمن لروسيا وجوداً في عمق المنطقة، بما يسهل عليها توجيه طائراتها العسكرية إذا ما اقتضت الظروف ذلك.

تؤمن  قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية لروسيا وجوداً في عمق المنطقة، بما يسهل عليها توجيه طائراتها العسكرية إذا ما اقتضت الظروف ذلك

بالنسبة إلى سورية، يعني استمرار بقاء هاتين القاعدتين استمرار التعاون العسكري والاستراتيجي بين سورية وروسيا، واستمرار الحضور العسكري الروسي بما يخدم مصالح سورية حالياً لا مصالح نظام الأسد كما كان الأمر في السابق. وعليه، سيشكّل بقاء القاعدتين عامل قوّة لسورية في مواجهة التحدّيات العسكرية والأمنية، سواء في الخارج أو الداخل. كما أنّ الحفاظ على الاتفاقيات العسكرية بين البلدين لا يقتصر على الاتفاقيتين اللتين وقعتا عامي 2016 و 2017 (الشقّ الروسي من استمرار الاتفاقيات العسكري)، بل يشمل أيضا اتفاقيات عسكرية تعود إلى مرحلة ما قبل الثورة السورية، تتعلّق بتزويد روسيا لسورية بالأسلحة والعتاد وقطع الصيانة (الشقّ السوري من استمرار الاتفاقيات العسكرية).

صحيحٌ أن روسيا بعد نحو ثلاثة أعوام من استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية في حرب أوكرانيا لم تعد كما كانت، من حيث القدرة على توسيع انتشارها العسكري بالزخم السابق نفسه، الأمر الذي يقلّل من قوّتها في الساحة السورية، لكن روسيا ومع ذلك، قادرة على تسليح الجيش السوري وإعادة تأهيله، وقادرة على الأقل على لعب دور إلى جانب تركيا في المعادلات الداخلية السورية لصالح دمشق، وربما تكون قادرةً لاحقاً على ضبط إيقاع التدخّل الإسرائيلي في سورية.

وستكون الأشهر المقبلة اختبارًا حقيقيًا للعلاقة الجديدة بين سورية وروسيا، فقد أعاد الشرع لروسيا حضورها الاستراتيجي في سورية، وفتح أرضها للمشاريع الروسية المستقبلية، لكنه حصل في المقابل على علاقة قوية مع دولة قوية، وفق موازين القوى في المنطقة والعالم، علاقة ستسمح له بالحصول على دعم مهم في كلّ المجالات، سيما المجال العسكري بعدما دمّرت إسرائيل قواعد الجيش السوري.