الشتاء وأبواب الفقراء ووداع المحبّين
(كلود مونيه)
في الشتاء يبحث الوحيد عن دفء اللمّة في كنف الذكريات في الشرفة وسط بقعة شمسٍ أو في السرير، حيث يهرب الجميع وراء الفرص والعيش من أجل الأولاد والخوف من عوز الأيام والحاجة حينما نكبر.
في الشتاء، نرى الوحدة معنا ونلمسها بأصابعنا في السرير، ونتسامر معها ونحن نتأمل نتيجة العام الجديد، وكيف مرّت سنة علينا، وكيف مرّت تلك السنة على العالم، من كسب ومن خسر ومن فارق الدنيا.
في الشتاء، نحتمى بملابسنا الثقيلة، ونحرص على أنفسنا داخل المقهى، وقد ابتعدنا للداخل عن الباب. ورغم ذلك، تشاكسنا الذكرى، وتأتينا وهي محمّلة بالفقراء، وقد واربوا أبوابهم البسيطة ليلاً في الشتاء أمام ركية نار من السنط أو الحطب أو الكافور والضحكات من وراء حوائط الطين البسيطة هناك، والألفة أيضاً حول أكواب الشاي والبرّاد القديم، فتقول: هل المدينة ظالمة أم الإنسان المنعزل، بعد ما زاد رصيده وتضخّمت أنانيّته هو الطمّاع؟ الشتاء مرآة للذات كي تحاسب نفسها إن أرادت، وذلك إن كان ثمّة حساب يعاتب به المرء نفسه أصلاً.
لا أتكلم عن شتاء الأوجاع، أو العوز، أو الفقد، أو رحيل الأحبة فهذا أكبر منا بكثير وأعظم، ولكن أتكلم عن شتاء التقليب في حزمة ذكريات العمر بحثاً عن الدفء الذي فقد في زحام الجري وراء لقمة العيش، بعدما صارت البلدان الصغيرة جداً أشبه بمدن قاسية وتعيسة.
أبحث عن تلك الأبواب التي كانت فقيرة ومواربة وصاحبها الفقير يشرب الشاي أمام ركية النار، ما زلت أرى ذلك الجار كبير السن والوحيد والفقير جداً والمؤدّب، والذي كان يعمل باليومية، وكانت له لاسّة من القطن باهتة يلفها كعمامة على طاقيته، ويجلس في الشمس على المصطبة الطين يرد الصباح في أدب، أطوف على تلك الأبواب، فلا أجد شبيهاً لها من كثرة وجهامة تلك الأبواب التي من الحديد، ولا أعرف ملامح أصحابها.
في الشتاء أيضاً يكثر وداع المحبين وكأنهم قد فضّلوا أن تكون سنتهم الجديدة هناك مع أحبّتهم الذين سبقوهم؟ هل الموت أيضاً له نداء؟ من سنوات قليلة، وأنا في وداع صديق سمعت عجوزاً فوق رأسها مقطف قديم من السعف تشير إلى الجنازة قائلة: "مع السلامة يا حبايب، سلمولنا عليهم، وقولوا لهم جايينكم على طول والله".
الشتاء باب للخوف ودولاب نفتش فيه عن الذكريات، هل لأننا نخاف الوداع إليهم، أم لأننا نشتاقهم؟ في الشتاء تعامل القطط بلطف، وخصوصاً من الناس الوحيدين من كبار السن، وقد قرأت أخيراً أن ابنة الراحل الدكتور محمد عبد المطلب الذي رحل قبل أيام في الشتاء كانت قد أوصته على قططها بعدما سلمتها له قبل موته، لأنها تعرف شفقته المتناهية، وقد كان الراحل، كما حكت تلميذته، أنه من فرط رومانسيته بكى على سيارته القديمة بعدما باعها.
في الشتاء أيضاً تجود العين بفائض أحزانها بما هو أقرب إلى الدمع، وأبعد من أن يكون هو الماء، بشيءٍ هو ما بين بين، ولكن يغلب على من يراه بشفافية أنه الحزن وقد تجسّد في ماء العينين. في الشتاء نحصي من رحل فنتعب، ونتأمل الباقين فنجدهم قلة، ويكثر أيضاً استعمال كبار السن من العصي في مشيهم لقضاء مصالحهم، بالأمس رأيتُ شخصاً في سني يمشي مستنداً على عكّازتين، وقد كان في شبابه يقفز في مشيته كغزال، فخفت من الآتي.
في الشتاء، ولا أعرف لماذا، يكثر الناس من سماع الأغاني الطويلة والحزينة ونقترب في ألفة من المذياع، ليس لأننا كبرنا، ولكن وكأننا نحنّ إلى الذكريات، ونريد أن نقترب منها بأصابعنا. يذهب الواحد إلى الغيطان، فيجدها وقد تبدّلت ببناء الحيطان ما بين المزارع، هل هو الخوف من الجار، كما ترى أيضاً أدوات الري الحديثة والأبنية الخرسانية العالية، وعليها الأبواب الشاسعة التي أكلت المساحات التي كانت تألفها العين، وكأن الأرض تبدّلت. وحدها الغيوم ثابتة هناك.
في الشتاء، ولا أعرف لماذا، يكثر وداع المحبين، وكأن في الشتاء جردة ما إلى آخر السنة، حتى أمي، هي الأخرى، من سنوات رحلت في الشتاء، وفي صباح اليوم التالي لدفنها تركت البلدة للقاهرة على الطريق الصحراوي الغربي في سيارة أجرة، وكانت مزارع الطماطم على مد الغيطان فوق رمال الجبال مثمرة، والأقفاص التي ليس لها من عدد مرصوصة، والبنات والنساء القرويات في الجبل يمرحن في خطواتهن ما بين خطوط الطماطم والأقفاص المرصوصة، وكأنهن كان لهن صورة أمي وجلاليبها ومشيتها. كنّ يغنّين ويهزرن والتجار مع الأقفاص والطماطم والحسابات وعيني خارج الزجاج مع الغيطان والرمال والجبل، وكان المطر خاتمة؟ وكأن في موتها كان أجمل شتاء عشته خلال عمري كله، أعطتني حيّة، وأعطتني ميّتة.