الشامتون بأميركا .. الصين على مفترق الطريق

14 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لطالما شكّل ترامب حجةً علنية للاستبداد والحكم الاعتباطي. نال إعجابه وأحياناً "صداقته" ديكتاتوريون من الوزن الثقيل، أمثال عبد الفتاح السيسي أو كيم جونغ أون (كوريا الشمالية)، أو الوزن الأخف، مثل جايير بولسونارو (البرازيل)... ولكن ترامب كان أيضاً حجةً ضمنية، أقوى من العلنية، لشتى أنواع الممارسات الحاكمة المتأصّلة في البلدان غير الديمقراطية. خلال السنوات الأربع من حكمه، انقطع شرْش الحياء لدى "مسؤولي" أنظمة هذه البلدان، فصار الصهر، والأهل من أبناء وبنات، يتقلّدون زمام الحكم بمشاركة آبائهم وأعمامهم، وأحياناً أجدادهم. وصار من العاديات أن يصدر عن أعلاهم شأناً الكلام الفارغ والكاذب، الجاهل والركيك. ولا يهمّ لا حساب ومصداقية ولا نقد. بالعكس، إحساسٌ بالغبطة العارمة من أن الحاكم وجوقته قد ازدادوا شهرة. لا يقلون شهرة عن نجوم "تلفزيون الواقع". كما يحب ترامب أن يكون وأن يبقى. ترامب خدم أرذل حكام الأرض خدمةً جليلة، بأن منحهم شرعية عدم شرعيتهم، وأطلق العنان لشهوتهم الاستبدادية. بدراية منهم، أو رعونة، لا فرق.

ولكن عندما وقعت الواقعة، وهجم شبيحة ترامب على مبنى الكونغرس، على الطريقة المألوفة عندنا، كانت شماتة أولئك الحكام بكل أميركا. أقوى الشماتين، أسرعهم، أوضحهم لغة، كان الرئيس الإيراني حسن روحاني: "أحداث الكونغرس تظهر مدى فشل الديمقراطية الغربية (...) إنها بلا أسس قوية"، قال روحاني في اليوم التالي على هجوم الكونغرس. آخذاً على ترامب "شعبويته"، و"تدميره" أميركا... 

خدم ترامب أرذل حكام الأرض خدمةً جليلة، بأن منحهم شرعية عدم شرعيتهم، وأطلق العنان لشهوتهم الاستبدادية. بدراية منهم، أو رعونة، لا فرق

أتباع النظام الإيراني لم يتأخروا في تكرار عبارات روحاني، بصيغ قليلة الفرق، ولكن بعزم المنتشي بمصيبة عدوه. طبعاً، ليس من الصعب إيجاد القوة الريادية التي استلهم منها ترامب ممارساته وخطاباته وطريقته في إدارة الحكم. فضلاً عن شبيحته الذين صنعوا حدثاً لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي صنعه "حرّاس" الثورة الإيرانية وأزلامهم في إيران، وفي البلدان التي سيطر عليها ذاك "الحرس": اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979. الدموية التي تتّسم بها ردود أفعال "الحرس الثوري" والنظام الإيراني على أي احتجاج شعبي. وقائع 7 أيار الإجرامية بقيادة حزب الله الإيراني ضد بيروت. تعطيل البرلمان اللبناني أشهرا بقرار من الحزب نفسه، من أجل فرض مرشّح رئاسي بعينه، هو ميشال عون. الهجمات المتفرّقة والجرائم التي ارتكبتها مليشيات "الحرس الثوري" بحق المؤسسات السورية والشعب السوري. بل إذا أردنا الاختصار: ضرب الدولة ومؤسساتها وقوانينها وأعرافها ودستورها، الضعيفة أصلاً، عبر إنشاء دويلةٍ بديلة، أو دويلاتٍ منافسة، بقيادة مليشيات، تتفوق على الدولة قوة وبطشاً وتمويلاً وتنظيماً وتسلحاً... 

ولكن لا مَرايا عند الجماعة! ولا بالتالي لا نقاش حقيقيا. فقط كلام مناسب للحدث. يجب أن يُقال، وإلا فكيف يتم الدفاع عن الإستبداد؟ هل توجد مناسبة أكثر حظاً للطعن بالديمقراطية؟ وبتلك الهلوسة التي تصيب الشعب الإيراني بوجه نظامٍ ساحقٍ ماحق؟ نظام مهلك فوق ذلك لشعوب أخرى سرَق قرارها؟ والطريف في الموضوع أن الحكم الإيراني الذي أكلَ صفعةً على يد ترامب بعد إلغائه الاتفاق النووي، يعتمد الآن على الرئيس بايدن، ابن الديمقراطية "الفاشلة"، فاقدة "الأسُس القوية"، من أجل العودة إلى الاتفاق. 

الديكتاتورية ليست موجودة في الطبيعة، وهي اختراع إنساني، قابل للحياة والموت

ما علينا .. الشماتة بأميركا، وبهذا الموضوع بالذات، هي من أجل ترويج فكرة أخرى: إن الاستبداد هو وحده النظام القابل للحياة. خصوصاً أن عرين الديمقراطية هي دولة إمبريالية، تطمح، منذ انهيار السوفيات، إلى قيادة العالم بمفردها. وبروباغندا الشماتة تغْرف من مشاعرها المعادية لتلك الإمبريالية أساساً إعلامياً لخوض معركتها ضد الديمقراطية نفسها. والحال أن علينا هنا الفصل بين الأمرين: بين أن أميركا ذات مطامح إمبريالية، قديمة، وأن نظامها السياسي يعتمد على التداول السلمي القانوني، للسلطة. لا على رعاع الشوارع وشبّيحة المليشيات المنظَّمة. 

الديمقراطية ليست موجودة في الطبيعة. إنها اختراع إنساني. وهي لذلك قابلة لأن تموت. وقد مرّت على تاريخها مَيْتات عدة. نعم، حتى لو كانت عريقةً، فقد تجد من بين أبنائها من يطمح إلى حكم غير ديمقراطي. وجديد الأمثلة كان الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي قبض على السلطة العليا، بفضل وفاة منافسه أوتو ويلز، وتشبيحات رعاعه التي مكّنته من السيطرة على كل مؤسسات ألمانيا الرسمية. 

لذلك تنطبق أسطورة صخْرة سيزيف على دروب الديمقراطية، كما تنطبق على كل مِحن الحياة: وعلى سيزيف الصعود إلى فوق، محمّلاً بصخرة أكبر منه وأثقل. ومن المحتَّم أنه سوف يهوي بالصخرة، ولكنه يعود فيحاول ثانية، إلى ما لا نهاية .. وهذا ما يجعل الديمقراطية تتمتع بتواضع من أخذ الأمور بالنسبية اللازمة. أي إنها، أي الديمقراطية، ليست طوبى، ولا تَعِد بالجنة إلا على لسان ديماغوجييها. تعترف بعيوبها وتحاول كل مرّة أن تصحّحها، بنجاحٍ نسبي أيضاً.

من مصلحة الديمقراطيين أن تنهض أميركا من الدرك الذي كادت أن تبلغه. وإلا صارت مثلها مثل أيٍّ من دولنا المعهودة

الديكتاتورية بدورها ليست أيضاً موجودة في الطبيعة، وهي اختراع إنساني، قابل للحياة والموت. والفرق بينها وبين الديمقراطية هو استقرارها على اضطراب مكشوف ومستور، معروف بدموية أركانها وغطرستها، اضطرارها الدائم إلى الكذب، أو الإخفاء أو التشويه. وذلك كله ثمناً لطوبى لا يعرف أحدٌ كيف ستتحقق. فتفكير الديكتاتورية مطلق، لا يعرف النسبية، إلا في جلسات ضيقة لرجالاتها، خصوصاً في حسابات موازين القوى، ويكون لسانها لحظتها أكثر سينيكية من الشيطان نفسه.

وفي الديمقراطية الأميركية عيوبٌ لا تُحصى. أهمها تداولها السلطة القائم على أكتاف حزبين كبيرين. اعتمادها على المال، بحيث يحكمها فاحشو الثراء. بحيث لا مكان في أعلى سلطتها للأصوات أو التيارات المتوسطة أو الصغيرة، أو للائتلافات أو التسويات بين تلك المجموعات. وربما ساهمت هذه العيوب الكبيرة في بزوغ ما شهدناه من أول صعود ترامب إلى الرئاسة، وحتى هجمة الكونغرس: أقصد هلع ملايين البيض من تراجعهم طبقياً وديموغرافياً، وتحوّل ترامب بالنسبة لهم إلى رسول يعيدهم إلى ما كانوا عليه من هيمنة، بل من استعباد للسود (كما تشير الأعلام الكونفدرالية التي كان يحملها مهاجمو الكونغرس، والعائدة إلى الولايات المؤيدة للعبودية في الحرب الأهلية الأميركية في أواسط القرن السابع عشر). هلعٌ يذْكيه ازدياد الفجوة، وبسرعة، بين الفاحشين ثراء والمعدَمين .. يرتفع عددهم مع الوباء. أي فشل النظام الرأسمالي، ليس في تجنّب الهزّات الاقتصادية والصحية وحسب، إنما في الحفاظ على الطبقة الوسطى نفسها. 

في الديمقراطية الأميركية عيوبٌ لا تُحصى، أهمها تداولها السلطة القائم على أكتاف حزبين كبيرين

وهؤلاء الملايين هالهم أن يحتلّ "أسوَد" البيض الأبيض ثماني سنوات متتالية، فانفجرت العنصرية ثانية، وكان لها من المريدين البيض أنصار يكادون يوازون بقوتهم أنصار الاختلاط بين الأعراق والمساواة بينها، فأتى ترامب على حصان هاتين العقدتين الأميركيتين بحلول خيالية، وصوَّر لهم أن أميركا ستعود إلى البيض حصراً، وبأنهم سيسترجعون ازدهارهم القديم. 

الآن أميركا قلِقة. والديمقراطيون في العالم قلقون أيضاً. وفِرَق إنقاذ الاستبداد ينعشها هذا القلق. كيف ستتجاوز أميركا عيوبها؟ كيف ستتعامل مع معضلتَيها الوطَنيتَين؟ التفاوت الاجتماعي والعنصرية؟ أم أن أسئلة من هذا النوع لا مكان لها في مجريات تضميد جراح الهجمة التشبيحية على الكونغرس؟ والأهم من ذلك كله، من مصلحة الديمقراطيين أن تنهض أميركا من الدرك الذي كادت أن تبلغه. وإلا صارت مثلها مثل أيٍّ من دولنا المعهودة. وساعتها، تحت قيادة صينية غامضة باطنية، بحزبٍ واحد، بإمبراطور واحد، بأمراء هذا الحزب، بأصحاب المليارات المعْدودين، بحرياتٍ جماعيةٍ وفرديةٍ معدومة، بأوليغارشية تسمّي نفسها "شيوعية"، بمعسكرات اعتقال تسَع الملايين ..