السُّـودان .. أوضاعٌ هَـشّة وأخطارٌ ماثلة

السُّـودان .. أوضاعٌ هَـشّة وأخطارٌ ماثلة

11 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

(1)

لا يختلف اثنان على أن ثمّة استعصاءات شابت الترتيبات التي توافق عليها السودانيون بعد نجاح ثورتهم في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2018، وإسقاطها، بصورة أذهلت العالم بأسره، نظاما جثم عل بلادهم ثلاثين عاما (1989 – 2019). تقاسم تحالف تلك الثورة مكونان، أحدهما عسكري والآخر مدني، وفق وثيقة دستورية أسهم في إقرارها الاتحاد الأفريقي. وللمفارقة، بدعم من الجار الإثيوبي، حيث تلبدت سحب الخلاف في سماء البلدين بشأن سد النهضة الإثيوبي أخيرا.

للمكون العسكري الصوت الأعلى في المجلس السيادي الذي يدير البلاد برئاسة الجنرال عبد الفتاح البرهان، فيما تولى الجهاز التنفيذي للدولة، حكومة مدنية يرأسهاعبدالله حمدوك، غير أن ذلك المجلس، وإن تشكّل مناصفة بين العسكر وممثلي ثورة ديسمبر من المدنيين، إلا أنّ العسكريين في عضويته هم أنفسهم من اتفقوا مع الرئيس المخلوع عمر البشير لازاحته من السلطة، و"الاحتفاظ به في مكان آمِن"، وذلك وفق بيانهم للثوار، وتعاطفا منهم مع الثورة، وربما لنياتهم حقن دماء الثوّار في المواجهات التي أراد البشير تصعيدها لخنق تلك الثورة.

(2)

منذ الأيام الأولى وإثر إجازة هذه الترتيبات، وبدء تنشيط المجلسين، السيادي والتنفيذي، أعمالهما، بدا أنّ لدى السيادي اتجاهاً واضحاً للتدخل في أعمال الحكومة التنفيذية، خلافاً للصلاحيات التي نصّت على اقتسامها الوثيقة الدستورية المؤقتة. كان الاتفاق أن تدار البلاد خلال فترة انتقالية، أجلها حوالي أربعة أعوام، أن تجرى بعدها انتخابات قومية ترتب لحكم البلاد بصورة ديمقراطية، غير أن نصوص الوثيقة شيء والالتزام بتنفيذ بنودها شيء آخر.

من عثرات الفترة الانتقالية أنّ الصراعَ بين المكوّنين، المدني والعسكري، آخذٌ إلى تصعيد، وها هيَ الآفاق مليئة بتوقعاتٍ تنذر بأخطارٍ قادمة

وضح لكل متابع حصيف أن جنرالات المجلس السيادي لا ينفردون فقط باتخاذ القرارات من دون الالتفات إلى أعضائه المدنيين، بل تمادوا في التغوّل على صلاحيات الحكومة التنفيذية، في جوانب السياسة العليا، مثل المضي نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو السياسة الداخلية، كالإبقاء على مؤسسات اقتصادية عسكرية مهمة، خارج ولاية الجهاز التنفيذي للدولة. ثمة جوانب عديدة أخرى لا مجال لاحصائها هنا، تغول فيها بعض جنرالات المجلس السيادي على صلاحياتٍ كثيرة، لم ينص على تبعيتها لهم في الوثيقة الدستورية التي تقرّر أن تكون الهادي لتسيير إدارة الدولة خلال الفترة الانتقالية. لكن أهم الصلاحيات التي أوكلت للمجلسين، السيادي إشرافا، والحكومة المؤقتة تنفيذاً، هي مهمة تحقيق السلام في ربوع البلاد.

(3)

جرى تفاوض مضن وطويل بين حكومة السودان في جانب، وحركات المعارضة المسلحة التي حققت نفوذا في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق في جانب آخر، في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، وهي التي استقلت عن السودان الوطن الأم بعد استفتاء جرى في 2011. يلاحظ على ذلك التفاوض الذي استمر أشهرا طويلة عدة أمور:

أولها، مثل الحكومة السودانية وفد ضم أعضاء من المجلسين، السيادي والتنفيذي، إلى جانت قوى الحرية والتغيير. رأسه نائب رئيس المجلس العسكري، وهو يحمل رتبة عسكرية، ما يعزّز علو الصوت العسكري على الصوت المدني في فريق الحكومة المفاوض. ثانيها أن اختيار جوبا عاصمة دولة جنوب السودان موقعاً للتفاوض لتحقيق السلام في ربوع السودان، قد يقدح في حيادية المضيف، لكونه انشقّ من السودان الدولة الأم، فيما حركاتٌ ظلت تعارض الحكومة المبادة، مطالبتها أو تبنّيها، سرا أو علانية، خيار الاستفتاء للبقاء في الدولة الأم أو الانفصال عنها. ثالث الأمور ما لاحظه المراقبون من أن المعارضين الذين جلسوا للنفاوض مع وفد حكومة السودان، وهي حكومة الثورة التي أسقطب نظام البشير، جاءوا بالأجندات نفسها التي تبنوها في معارضة ذلك النظام، ولم يتجلّ، عند أكثر ممثلي تلك الحركات المعارضة تعاطف قوي مع ثورة ديسمبر 2018. لكأن مفاوضي تلك الحركات المسلحة يفاوضون نظام البشير البائد، وليس ممثلي الثورة التي أسقطته!

(4)

كان جلياً أنَّ حكومة الفترة الانتقالية، ممثلة في مجلس وزراء يرأسه عبدالله حمدوك، تحارب على جبهتين في وقت واحد، فبان ضعفها وهشاشة أوضاعها. كان على حمدوك أن يصارع لاستعادة بعض صلاحيات مهمة، خصوصا في السياسة الخارجية، استلبها المجلس السيادي وجنرالاته. في الوقت نفسه، كان على الرجل أن يواجه سخطاً متصاعدا في الشارع السوداني، يرى في أداء وزرائه تقاعساً، وفي اقتلاع آثار نظام الإنقاذ المباد ليناً غير مبرّرٍ ولا مرغوب.

كان جلياً أنَّ حكومة الفترة الانتقالية، ممثلة في مجلس وزراء يرأسه عبدالله حمدوك، تحارب على جبهتين في وقت واحد، فبان ضعفها وهشاشة أوضاعها

وحتى يدير هذه التحدّيات بالحنكة المطلوبة داخلياً، يلتفت الرجل إلى القوى التي تحمي ظهره، وسمّاها الإعلاميون "الحاضنة السياسية"، وهي كيان أو تحالف "قوى الحرية والتغيير"، فيرى تشتت صفوفها وتراجع تمثيلها ثورة الشباب التي أسقطت نظام الطاغية. وثالثة الأثافي خروج كيانات وأحزاب تاريخية من ذلك التحالف، فأضعفته وتهاوت فاعليته.

(5)

بقيتْ لدولة رئيس الحكومة المدنية، عبدالله حمدوك، خيارات قليلة يحتاجها لتجاوز تلك الاستعصاءات الماثلة على المستوى الداخلي. مال إلى تجديد روح قباطنة سفينته، فحلّ حكومته جزئيا، وشكل وزارة جديدة، في محاولة لتجاوز تلك الصعاب، فإذا بجهود تحقيق السلام تؤخر محاولته إصلاح حال وزارته. التفاوض الذي أنجز في عاصمة دولة جنوب السودان أسفر عن إقرار تعديلاتٍ أدخلت عناصر جاء بها الاتفاق إلى هيكل المجلس السيادي ومجلس الوزراء الذي قرّر تجديد الدماء فيه. تأثير صوت المكون العسكري خلال تلك المفاوضات كان جليا، ويصعب بالطبع رصد جوانبه على أي متابع، غير أن دخول بعض من جاء بهم الاتفاق وزراء في الحكومة وأعضاء أضيفوا إلى المجلس السيادي، يدفعنا إلى الزعم، من دون تأكيد جازم، أن ذلك الاتفاق كان كسبا للمكون العسكري في الفترة الانتقالية، وليس للجانب المدني.

(6)

على المستوى الخارجي، فإن حمدوك، وهو الموظف الدولي السابق الذي خبر الأمم المتحدة وهيئاتها، اختار بحذقٍ اللجوء إلى المجتمع الدولي لمناصرة حكومته ومكونها المدني. وجد استجابة طيبة من المنظمة الأممية، قضت باعتماد بعثة منها خاصة، لدعم التوجه المدني للنظام الجديد في السودان وتعضيده أثار قرار اعتماد البعثة جدلاً واسعا، وتباينت الرؤى حوله من طرف كيانات سياسية ذات وزن، فسببت معارضتها صداعا مؤقتا للحكومة المدنية.

تمادى جنرالات المجلس السيادي في التغوّل على صلاحيات الحكومة التنفيذية، في جوانب السياسة العليا

في جانب آخر، كسب الرجل تعاطفا من أطراف مهمة في المجتمع الدولي، منها صندوق النقد والبنك الدولي ومجموعة نادي باريس، ودول في الاتحاد الأوروبي، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وبعض بلدان عربية، أعلنت عن تعهداتٍ سخية لدعم الاقتصاد السوداني، وإن بقيت في معظمها تعهداتٍ معلقة في الهواء، أو ربما قد تتضح فوائدها بعد حين بعيد، ولكن ليس لمساعدة الحكومة المدنية لمجابهة الاستعصاءات الماثلة، وصعوبات الضائقة المعيشية التي لن تقلل من سخط الشارع السوداني، جرّاء عجز الحكومة عن تقديم حلول فورية لها.

تبقى الجبهة الخارجية حبلى بتحدياتٍ، تثقل كاهل الحكومة الانتقالية. هنالك أزمة الخلاف بين إثيوبيا والسودان ومصر حول سد النهضة. هنالك المشكلات الحدودية مع دولة جنوب السودان ومع مصر ومع إثيوبيا أيضا. هنالك المشكلات الأمنية في دارفور وامتداداتها في تشاد وليبيا.

(7)

الصورة التي رأينا بعض تفصيلاتها في الأسطر السابقة هي حال أوضاع سياسية واقتصادية لنظام انتقالي، ورث تركة مثقلة من الهيمنة العقائدية وسوء الإدارة والتسلط وحجب الرأي المخالف، والفساد بكل ألوانه ومشاربه. ولعلّ ثلاثين عاما محتشدة بكل هذا القدر من السوء، تتطلب إصلاحاً قد يمتد أكثر من الثلاثين عاماً التي مكّنتْ "الإنقاذيين" من الجلوس على ظهور أهل السودان.

من عثرات الفترة الانتقالية أنّ الصراعَ بين المكوّنين، المدني والعسكري، آخذٌ إلى تصعيد، وها هيَ الآفاق مليئة بتوقعاتٍ تنذر بأخطارٍ قادمة.