"السيّد" النائب حسين الشيخ

03 سبتمبر 2026

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ في اجتماع في رام الله (10/2/2026 فرانس برس)

تزايد نشاط حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، بشكل ملحوظ جدّاً في الأسابيع والشهور الماضية، مع زيارات تفقدية للأجهزة الأمنية وهيئات رسمية أخرى، وترؤّس اجتماعات موسّعة تضمّ رئيس الحكومة والوزراء وقادة الأجهزة الأمنية، تُسمّى مجازاً "القيادة الفلسطينية"، وكذلك اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير، واللجنة المركزية لحركة فتح، بعدما بات نائباً لرئيس الحركة، مع نشاط ملحوظ ومكثّف عبر استقبال السفراء المعتمَدين في رام الله، ولقاءات واتصالات خارجية بقادة ومسؤولين في العالم العربي والمجتمع الدولي، فيؤدّي دوراً يجمع بين عملَي رئيس الوزراء ووزير الخارجية، مع رئيس وزراء (محمّد مصطفى) أقرب إلى مساعد له، ووزيرة خارجية (فارسين أغابكيان) أقرب إلى وزيرة دولة، بينما يُشار إلى الشيخ إعلامياً بصفته "السيّد نائب الرئيس"، في تذكير بالعبارة الشهيرة التي استُخدمت لتوصيف صدّام حسين عندما كان نائباً متنفّذاً للرئيس المريض أحمد حسن البكر في العراق، في منتصف السبعينيّات، فيما بدا تمهيداً واضحاً لتسلّمه الرئاسة، وهو ما حصل فعلاً ورسمياً بعد سنوات قليلة.

وبعد المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي كان أحد عرّابيه ومهندسيه، يترأّس الشيخ اجتماعات اللجنة المركزية، إذ انتخبته اللجنة المركزية في اجتماعها الأوّل نائباً لرئيس الحركة محمود عبّاس، خلفاً لمحمود العالول. وفي العموم، يبدو الشيخ وكأنّه يقود فعلاً، أو يتحكّم بالسلطة وأجهزتها وبحركة فتح وبالمنظّمة (الدولة لا تزال على الورق)، أي بكامل المنظومة الفلسطينية الرسمية. ويأتي هذا النشاط الداخلي معطوفاً على نشاطات خارجية لافتة، واستقبال السفراء العرب والأجانب في رام الله، وزياراتٍ للعواصم المركزية المؤثّرة عربياً وإقليمياً ودولياً، واتصالات مباشرة بقادة المجتمع الدولي ومبعوثيه، مع التذكير بتعاطي وزارة الخارجية الأميركية واحتفائها بتغريدة الشيخ التي أشاد فيها بتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزّة في يناير/ كانون الثاني، والتذكير، على سبيل المثال، باجتماعاته مع الممثّل السامي لمجلس السلام في غزّة، نيكولاي ميلادينوف، وتأسيس مكتب ارتباط للسلطة مع المجلس يديره رئيس الوزراء محمّد مصطفى، فيما بدا تعبيراً واضحاً عن تراتب المسؤولية. كما يُجري الشيخ لقاءات مستمرّة مع عضو مجلس السلام المتنفّذ توني بلير، صاحب التأثير الكبير والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للتعافي المبكّر وإعادة الإعمار في غزّة التي حضرت في خطّة الرئيس دونالد ترامب واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها.

لا تمثّل المعطيات السابقة، على أهمّيتها، سوى قمّة جبل الجليد، مع ضرورة التذكير بمعطيات وحيثيات لا تقلّ، بل تفوقها أهمّية. أولها طريقة تعيين حسين الشيخ في المنصب من رئيس لا يملك شرعية، وهو أقرب إلى رئيس تصريف أعمال بعد انتهاء الفترة الرئاسية المقرّرة له قانونياً منذ 2009 وعدم إجراء الانتخابات، أو حتّى التوافق الوطني على ترتيب انتقالي، ما يعني أنّ عبّاس، الذي لا يملك، أعطى من لا يستحقّ، بحسب وجهات نظر عديدة في الساحة الفلسطينية، وحتّى من أبناء "فتح" نفسها.

بتفصيل أكثر، محمود عبّاس رئيس تصريف أعمال، ولا يملك أخلاقياً ولا سياسياً ولا جماهيرياً الحقّ في فرض وقائع سياسية قد تكون مستدامة في المشهد الفلسطيني. مع التذكير بأنّ تعيين الشيخ جرى في سياق ادّعاءات بالإصلاح، علماً أنّنا نتحدّث عن معطى شكلي هدف أساساً إلى تشديد وإحكام القبضة على السلطة وإعادة إنتاجها (تجميل وشدّ وجه)، وجاء أساساً، على علّاته، بناءً على مطالب خارجية عربية ودولية تضمّنت مصطلحات تجديد وتحديث السلطة وإشراكها في جهود إنهاء الحرب في غزّة، ورسم معالم اليوم التالي لها، في الطريق إلى الأفق والمسار السياسي نحو الدولة وتقرير المصير.

فشلت السلطة في تحقيق الآمال الوطنية للشعب الفلسطيني بالاستقلال والسيادة وتقرير المصير، وفي الحدّ الأدنى حمايته من بطش الاحتلال وانفلات المستوطنين

وإضافة إلى هذا يقتضي الإصلاح، بالضرورة، الشروع في حوار فلسطيني جادّ، وبالحدّ الأدنى وضع خريطة طريق توافقية تتضمّن تكليف شخصية وطنية مستقلّة، كفؤة ونزيهة، لتشكيل حكومة واسعة من شخصيات تدير السلطة والواقع الفلسطيني ككل، وتهيّئ البيئة المناسبة لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسّسات والتعافي المبكّر وإعادة الإعمار في غزّة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة في الضفّة الغربية، وإجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، وتمتلك المصداقية والجدارة والنزاهة لنيل الدعم اللازم عربياً ودولياً لهذه الخريطة.

كان يُفترض بحرب غزّة، والنكبة والإبادة هناك، أن تدفع الرياح نحو أشرعة هذه السيرورة التوافقية، لكن كان هناك تعالٍ من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في بداية الحرب، و"أوهام القوة والنصر"، مع رفض الحوار مع "فتح" والسلطة لبلورة استراتيجية وطنية لليوم التالي، ثمّ أدارت السلطة ظهرها للحوار بعدما شعرت بضعف وتراجع (هزيمة) "حماس"، ووجود فرصة للضغط من أجل انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات منها، إثر تعهدها بعدم المشاركة في الحكم ومؤسّساته، وهو أمر يسري على غزّة والضفّة كذلك، باعتبارهما وحدة سياسية وجغرافية واحدة، بحسب الخطاب الفلسطيني السائد، بما في ذلك خطاب "حماس" نفسها.

إلى ذلك، ينتمي حسين الشيخ إلى المنظومة السياسية التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه (سلطة لم تنجح حتّى في بناء مستشفى لتقديم العلاج لقادتها، ناهيك عن أبناء الشعب الفلسطيني، بدلاً من المستشفيات الإسرائيلية)، ومن هنا لا يمكن تصور أن يندرج تعيين الشيخ في أي حال في سياق إصلاحي، بل بإعادة التدوير وإنتاج الطبقة نفسها المتشبّثة بالسلطة بأي ثمن وكلّ ثمن، حتّى لو كانت سلطة بلا سلطة فعلية، بحسب التعبير الدارج على لسان مسؤوليها أنفسهم.

يقتضي الإصلاح بالضرورة الشروع في حوار فلسطيني جادّ، وبالحدّ الأدنى وضع خريطة طريق توافقية

وارتباطاً بما سبق، فشلت السلطة في تحقيق الآمال الوطنية للشعب الفلسطيني بالاستقلال والسيادة وتقرير المصير، وفي الحدّ الأدنى حمايته من بطش الاحتلال وانفلات المستوطنين، وتوفير سبل الحياة الكريمة. وتقع القضايا الاقتصادية والاجتماعية في الضفّة ضمن مسؤوليتها، من دون تبرئة الاحتلال وجرائم القتل والتهجير والاستيطان والضمّ غير المُعلَن، ومبادرة الناس إلى القبض على زمام الأمور بمقاومة شعبية متفرّقة وغير مؤطّرة، ومن دون مأسسة من السلطة والفصائل المنشغلة بالانتخابات وتحالفاتها. بنظرة أبعد، السلطة شريكة في الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفّة وغزّة، من دون إعفاء "حماس" من تحمّل مسؤوليتها، والأسوأ أنّها (السلطة) بدت أحياناً وكأنّها راضية بالواقع والتحلّل من عبء غزّة، بينما ظهرت عاجزة ومهمّشة وفاقدة التأثير والفاعلية خلال حرب الإبادة المستمرّة بأشكال أخرى.

وفيما يتعلّق بالحراك الانتخابي، الذي يبدو أحياناً فلكلورياً ودعائياً، مع الإعلان أوّلاً عن انتخابات للمجلس الوطني، والاستفتاء على الدستور الموعود، ثمّ العودة إلى الحزمة الانتخابية الكاملة، بدءاً بمؤسسة الرئاسة والمجلسين التشريعي والوطني، وعلى الرغم من الإصرار على انطلاق الحزمة في موعدها (نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، فإنّ القيادة تشترط إجراءها في القدس وغزّة. وبحسب اعتراف الشيخ نفسه، لا موافقة إسرائيلية على إجرائها في المدينة المقدّسة المحتلّة، بينما لا استعدادات أو خطوات فعلية في غزّة (صفر، بحسب اعتراف الشيخ)، مع امتلاك القيادة خطّة "ب" تتضمّن إعادة تشكيل المجلس الوطني بالتوافق، وتنازل عبّاس عن مناصبه وصلاحياته لنائبه، واعتبار ذلك ضمن خطوات الإصلاح والتجديد في السلطة.

بالعودة إلى السيّد النائب حسين الشيخ، ونموذج السيّد النائب صدّام حسين في العراق، يجب الانتباه إلى فرق واضح، لكنّه لا يلغي النتيجة، إذ فرض صدّام قبضته التامّة، بسبب مرض البكر وعجزه أو لأسباب أخرى، على الحزب الحاكم ومفاصل السلطة كلّها، وبات تسلّمه الرئاسة مسألة وقت، وأصبح السؤال "متى" لا "هل"؟ أمّا الشيخ، فيفعل ذلك بتفاهم تامّ مع الرئيس التسعيني محمود عبّاس الذي لا يزال متحكّماً بالقرار النهائي. ويبدو الشيخ بالنسبة إليه كما هو محمّد مصطفى وآخرون بالنسبة إلى الشيخ نفسه. بمعنى أن تسليم ونقل السلطة يجريان وفق ما يشتهي عبّاس، للحفاظ على ما يمكن تسميته مجازاً بـ"إرثه" السياسي والسلطوي، وضمان مصالح وامتيازات العائلة، كي لا تلقى مصير عائلة جمال عبد الناصر زمن أنور السادات، وعائلة هذا الأخير زمن حسني مبارك، وعائلة أبو علاء تحت سيطرة النظام الحالي.