السيسي يستنجد بـ "دكتاتور" فرنسا الناعم

09 ديسمبر 2020
الصورة

ماكرون يستقبل السيسي في قصر الإليزيه في باريس (7/12/2020/Getty)

+ الخط -

"استنجد غريقٌ بغريق"، هذا هو حال اللقاء بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في باريس أول من أمس الاثنين. كلا الرجلين يحتاج إلى الآخر في هذه الظرفية، ولأسباب موضوعية وخاصة لدى كل واحد منهما. وعلى الرغم من أن زيارة الرئيس المصري إلى فرنسا كانت مبرمجة منذ فترة طويلة، إلا أن الإعلان عنها فاجأ الجميع، خصوصا نشطاء المنظمات الحقوقية الفرنسية والدولية، بما أن باريس تكتمت عن موعدها حتى قبل أربعة أيام من حدوثها، إذ تدرك أن زيارة من هذا القبيل هي تزكية مجانية لجرائم دكتاتور مصر. وحتى ساعات قليلة قبل نزول الطائرة الرئاسية المصرية في فرنسا، نددت عدة منظمات حقوقية فرنسية بمدّ "السجاد الأحمر" للسيسي في باريس. لكن الرئيس الفرنسي المتعجرف تحدّى، مرة أخرى، الجميع، وأصرّ على استقبال ضيفه، غير المرحّب به شعبيا، على الرغم من كل الاحتجاجات والاعتراضات التي رافقت زيارته، ليس فقط من أجل صفقات السلاح التي حاول ماكرون أن يبرّر بها سكوته عن جرائم ضيفه في مجال حقوق الإنسان، فقيمة الصفقات المبرمة في هذا المجال لم تتعدّ، حسب وسائل إعلام فرنسية، 1.4 مليار يورو خلال السنوات الماضية، وإنما لأسباب أخرى في نفسه!

ما هو سر هذا الود المتبادل بين دكتاتور مصر والرئيس الفرنسي الذي باتت وسائل إعلام كثيرة في بلاده تلقبه بـ "الدكتاتور الصغير" و"الدكتاتور الناعم"، وتزيّن رسومه الساخرة، وهو يرتدي بزّة عسكرية، أغلفة مجلات فرنسية معروفة، مثل "لوكوييه أنترناسيونال"، ويتهمه كتاب الافتتاحيات بتحويل الجمهورية الفرنسية في عهده إلى "دكتاتورية قانونية"، كما جاء في افتتاحية صحيفة ليمانيتي، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي الصادرة يوم وصول السيسي إلى باريس، أو كما جاء في أسبوعية لوبوان التي كتبت قبل يومين مشكّكة "يبدو أن فرنسا تعيش الآن في ظل نظام استبدادي"!

ما يشغل بال الرجلين تمسّكهما بالسلطة، ماكرون يُعدّ لها، بخبثٍ ومكر، انتخابياً، والسيسي يستعد لمواجهة تقلباتها متوجّساً

هذه الاتهامات الموجهة إلى ماكرون، داخل بلاده من سياسيين فرنسيين ووسائل إعلام فرنسية محترمة، بنهج أسلوب دكتاتوري في اتخاذ قراراته وفرض كثير من سياساته غير الشعبية، ليس جديدا، فمنذ وصوله إلى الحكم، أظهر ماكرون، القادم إلى السياسة من عالم المال والأعمال، احتقارا كبيرا للطبقات الشعبية الكادحة، وأطلق تصريحاتٍ مستفزّة ضد مواطنيه، وواجه بعجرفةٍ وعنف شديدين احتجاجات أصحاب "السترات الصفراء"، وتعنّت في الاستجابة لمطالب حركة الإضرابات ضد تعديل قانون التقاعد. ويوما عن يوم، تتصاعد الاتهامات ضده برفض الأخذ بعين الاعتبار توجّه الرأي العام الرافض والمشكك في كثير من سياساته التي لا تخدم سوى الطبقات الميسورة داخل المجتمع الفرنسي. وأخيرا، باتت الصحافة العالمية تشير إلى تصاعد القلق داخل المجتمع الفرنسي من التحول الأمني الذي اتخذه ماكرون في بلاده، وتجسّد في مشروع قانون "الأمن الشامل"، المثير للجدل الذي قسم الفرنسيين إلى من يؤمن بقيم الديمقراطية ويجد نفسه في مواجهة عنف الشرطة في الشارع، ومن يعارضها ويجد نفسه مصطفّا في صف ماكرون. وقُبيل الإعلان عن زيارة السيسي باريس، فتح ماكرون على نفسه جبهة معارضة واسعة في العالم الإسلامي، عندما أطلق تصريحاته المستفزّة حول الإسلام، وطرح مشاريع قوانينه العنصرية حول ما يصفها بـ "الانعزالية الإسلامية"، وعرّض بلاده لحملة مقاطعة اقتصادية شعبية عمت أكثر من بلد إسلامي، من جاكارتا إلى طنجة، جعلته يتودّد إلى الرأي العام الإسلامي للتخفيف من وطأتها.

ماكرون يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية والسيسي خائف من أن يشتدّ طوق العزلة حول عنقه، بعد تسلم الإدارة الديمقراطية الحكم في واشنطن

كل هذه العوامل، وأخرى ليس المجال هنا لسردها، جديدها فشله الذريع في تدبير أزمة وباء كورونا وتداعياتها التي ما زالت تتفاعل سلبا، مؤثرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للفرنسيين، هي التي دفعت ماكرون إلى الاستنجاد بالسيسي، في وقت يدرك فيه أن نظام ضيفه المصري يواجه سيلاً من الانتقادات بشأن حالة حقوق الإنسان في مصر، ويعبر واحدةً من أشد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنسفه مع أول انفجار اجتماعي يهزّ البلد. وكان أن "وافق شنٌّ طبقة"، فتولدت هذه العلاقة "الاستثنائية" و"الودّية" بين ماكرون الذي يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية غير مسبوقة والسيسي الخائف من أن يشتدّ طوق العزلة حول عنقه، بعد تسلم الإدارة الديمقراطية الحكم في واشنطن مطلع العام المقبل، فالرئيس الفرنسي في حاجةٍ إلى أن يسمع الكلام الذي يطمئنه ويزكّي تصريحاته، داخل فرنسا، حول الخطر الإسلامي الذي اتخذ منه حطبا لحمله الانتخابية السابقة لأوانها، وفي الوقت نفسه، يرسل رسائل اطمئنان إلى الخارج، وخصوصا إلى الرأي العام الإسلامي الغاضب، عندما يستقبل رئيس أكبر دولة إسلامية سنية وعربية، يقاسمه آراءه نفسها، حول ما يتفقان على وصفه بـ "الإرهاب الإسلامي"!

وفي المقابل، للسيسي، هو الآخر، مآربه الخاصة من زيارةٍ قد تخفّف من عزلته، وتُكسبه صداقة جديدة في سياق بحثه عن "كفيلٍ" غربي يحميه، ويغطي على انتهاكاته حقوق الإنسان في بلاده، خصوصا بعد أن خبا نجم راعيه المفضل، دونالد ترامب، ووصول جو بايدن إلى الحكم الذي سبق أن غرّد علانية "لا مزيد من الشيكات البيضاء لديكتاتور ترامب المفضل".

وبعيدا عن العناوين الكبرى التي طغت على لقاء ماكرون والسيسي، مثل الأزمة الليبية ومحاربة الإرهاب، ومواجهة التمدّد التركي في شرق المتوسط، وصفقات الأسلحة وحقوق الانسان، فإن ما يشغل بال الرجلين هو تمسّكهما بالسلطة، ماكرون يُعدّ لها، بخبثٍ ومكر، انتخابيا، والسيسي يستعد لمواجهة تقلباتها متوجّسا من خيبات الأمل المفاجئة القادمة، ولسان حال كل منهما يقول "الصديق هو من تجده وقت الضيق".