السيسي وأوسمة الغرب لتكريس الطغاة

19 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لا يمكن للمراقب أن يجد الإنجاز الفارق، والأمر العظيم الذي أنجزه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على الصعيد المحلي المصري أو الدولي، لكي يستحق عليه الأوسمة التي تُغدقها عليه عواصم الدول الأوروبية، وجديدها أخيرا أعلى وسام في فرنسا، وسام جوقة الشرف الفرنسي. وإن كان السيسي قد شجَّع قضايا تدافع فرنسا عنها، ومنها قضايا حقوق الإنسان، حسبما ذكر موقع المستشارية الكبرى لجوقة الشرف، فالخبر عند منظمة حقوق الإنسان في ولاية سكسونيا الألمانية يقول إنه "يدوس على حقوق الإنسان بالأقدام". وكون الدول الأوروبية التي تدّعي الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان في العالم، والتي تعمي أبصارها المصالح، فلا ترى ما يجري داخل الدول القمعية، تجعلها تلك المصالح تعمي أبصارها أيضاً عن جريمة حقوق إنسان ارتكبها الأمن المصري بحق مواطن أوروبي من أبناء جارتها إيطاليا.

كرّس السيسي نفسه من أكثر منتهكي حقوق الإنسان في القارة الأفريقية، بعد جريمة فض اعتصام رابعة العدوية

وقال موقع جوقة الشرف الفرنسي، تعليقاً على تقليد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السيسي وسام الجوقة، في 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، على هامش زيارة الأخير باريس، إنه "يمكن منح الأجانب أعلى رتبة من الوسام إذا قدّموا خدمات لفرنسا"، وهو السر الذي يقف وراء منح السيسي الوسام، فبالعودة قليلاً إلى الوراء، يتبيّن حجم الخدمة التي قدّمها السيسي لفرنسا، وربما لماكرون نفسه، وذلك عندما تطوّعت مصر واشترت حاملتي مروحيات كاسدتين، صنعتهما فرنسا لصالح روسيا، ثم رفضت تسليمها إياهما بسبب العقوبات الغربية على موسكو والتوتر بينها وبين الغرب بسبب ملف ضم روسيا جزيرة القرم، وغيره من الملفات. غير أن مصر آلت على نفسها شراء تينك الحاملتين، على الرغم من فقر أبنائها وتصنيف رئيسها لها أنها "أمة عَوَز"، كذلك على الرغم من عدم توفر مروحياتٍ لدى مصر لتحملهما، فاشترت تلك المروحيات من موسكو، من أجل إشغال الحاملتين، وتحقيقاً لمصالح فرنسا، لتتوصل فرنسا إلى أن السيسي يستحق الوسام، فتُهمل جميع الموبقات التي يقترفها نظامه أمام تلك المصالح. 

وقبل الوسام الفرنسي، مُنح السيسي وسام القديس جورج الذي منحه إياه مهرجان أوبرا دريسدن (زيمبر أوبر) في ألمانيا، في 25 يناير/ كانون الثاني الماضي، وذلك "تقديراً لجهده في صنع السلام في شمال أفريقيا وكونه يحمل الأمل في القارة الأفريقية كلها"، حسبما أعلنت إدارة المهرجان يومها. وكما مُنح وسام جوقة الشرف للسيسي، ومن قبله للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كذلك مُنح وسام القديس جورج لطغاة آخرين، من بينهم بوتين، سنة 2009، عندما كان ضيفاً على الأوبرا، على الرغم من سجله الحافل بجرائم حقوق انسان اقترفها بحق مواطني بلاده، داخل حدودها، وخارج حدودها أيضاً. 

نجح السيسي في رشوة الغرب، عبر شراء الأسلحة الكاسدة لدى هذا الغرب، والفائضة عن حاجة مصر

لا يمكن القول سوى أن السيسي نجح في رشوة الغرب، عبر شراء الأسلحة الكاسدة لدى هذا الغرب، والفائضة عن حاجة مصر، بغرض مساعدته على الخروج من العزلة التي جلبها لنفسه، بعد انقلابه على أول رئيس مصري مدني شرعي ومنتخب ديمقراطياً. تلك العزلة التي أدخل نفسه بها بعد الانقلاب، عندما كرّس نفسه من أكثر منتهكي حقوق الإنسان في القارة الأفريقية، بعد جريمة فضّ اعتصام رابعة العدوية، عشية انقلابه، وبعد الاعتقالات بحق المعارضين، وأحكام الإعدام غير المسبوقة التي طاولتهم، والتي لا تصنف إعداماتٍ بقدر ما تصنف مجازر جماعية، ترتكب بأمر من القضاء الذي جيَّره السيسي لصالح حكمه. 

وكما حصل ولاقى منح أوبرا دريسدن الوسام للسيسي من انتقادات، وصلت إلى حد رفض مشاهير تسلُّمهم جوائز الأوبرا، ومقاطعة أعضاء البرلمان وبعض السياسيين ومشاهير الفن ورجال الأدب والعلم، وغيرهم من رجال المجتمع المهرجان، وخروج مظاهرات جابت شوارع مدينة دريسدن احتجاجاً على منحه الوسام، كذلك الأمر، ظهرت احتجاجات كبيرة على منح فرنسا السيسي وسام جوقة الشرف. وقد انتقدت صحف فرنسية هذا الأمر، كما تساءل فرنسيون كثيرون عن سبب تعتيم الرئاسة الفرنسية على خبر منح السيسي الوسام، والذين عرفوا به من وسائل الإعلام المصرية. 

ومن الاحتجاجات، برزت لفتة الصحافي والكاتب الإيطالي، كورَّادو أوغياس، بإعادة وسام الجوقة، الذي حصل عليه سنة 2007، وذلك حين سلمه إلى السفارة الفرنسية في روما، احتجاجاً على منحه للسيسي، قائلاً إن السيسي شريك في ما ارتكبه رجال نظامه من تعذيب وقتل لمواطنه، جوليو ريجيني، في مصر قبل خمس سنوات. وقد لاقى موقف أوغياس ردود فعلٍ مرحبةٍ، وطغى هذا الخبر على خبر منح السيسي الوسام. وأبدى برلمانيون ووزراء سابقون ومثقفون إيطاليون نيات مماثلة في إعادة نسخهم من الوسام إلى فرنسا، ما يشير إلى حجم الامتعاض من خطوة ماكرون الذي توقع منه الإيطاليون أن يبدي "حركة أخوة وتفهُّماً تجاه الإيطاليين" فيما يخص قضية ريجيني، على حد تعبير أوغياس. 

الغرب لا يأبه للمبادئ التي يتبجَّح دائماً بأنه يدافع عنها، فيضعها في آخر سلم أولوياته، حين تكون مصالحه في الميزان

غير معلوم إن كانت جوقة الشرف الفرنسية ستتخذ خطوة شجاعة، وتمتثل لمعارضي منحها السيسي الوسام فتسحبه منه، على غرار ما فعلت أوبرا دريسدن، حين استجابت لمطالب المنتقدين الذي طالبوا بسحب وسام القدّيس جورج منه. ولكن فرنسا هذه الأيام التي شهدت واقعة غير مسبوقة، حين شرّعت قانوناً يمنع محاسبة رجال الشرطة والأمن وتوجيه الانتقادات لهم، في مشهد يقرِّبها من أنظمة قمعية في العالم الثالث، من غير المتوقع أن تنصاع، وأن تعمل وفق المبادئ التي تقول إنها تدافع عنها.

لو لم يكن الغرب يشجع أنظمة قمعية ومختطفة السلطة، على شاكلة نظام السيسي وغيره، لكان اتبع آلية شبيهة بتلك الآلية المتطوّرة التي وضعها الاتحاد الأفريقي، وتقضي بتعليق عضوية أي دولة من أعضائه في حال وقع فيها انقلاب عسكري. وقد وُضعت هذه الآلية بعد سلسلة الانقلابات التي وقعت في القارة الأفريقية وأعطتها السمعة السيئة في مجال انتهاك القانون وحقوق الإنسان والفساد التي يتسبب بها الانقلابيون. وطبِّقت هذه الآلية على مصر بعد الانقلاب الذي أتى بنظام السيسي إلى الحكم، في 3 يوليو/ تموز 2013، ولم تستعد عضويتها فيه إلا بعد أن استغل السيسي رئاسة إثيوبيا الاتحاد، ووقع مع حكومتها ذلك الاتفاق الذي أجاز لها بناء سد النهضة الذي يهدّد الحياة في مصر، مقابل عمل إثيوبيا على إعادة بلاده إلى عضوية الاتحاد، وبالتالي تشريع سلطته وانقلابه. ولكن من الواضح أن الغرب لا يأبه للمبادئ التي يتبجَّح دائماً بأنه يدافع عنها، فيضعها في آخر سلم أولوياته، حين تكون مصالحه في الميزان.