السيسي و"جهاز كشف الكذب"

18 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لا يتوقف المشهد المصري عن إبهارنا بالجديد من السوريالية والعبث السياسي، ليس أقلها الخطب الارتجالية التي يلقيها على مسامعنا كل أسبوع تقريباً الجنرال عبد الفتاح السيسي، والتي لا يملّ فيها من تكرار أكاذيبه وأيْمانه الغموس التي تنضح بكل مؤشرات جنون العظمة، والشعور المتضخم بالذات الذي يكاد ينفجر من ملامح الرجل، وهو يتحدّث، بكل كِبر وغرور، خصوصاً أنه لا يعير اهتماماً لمستمعيه الذين يصاحبونه في مجالس الكلام التي يعقدها بشكل منتظم، والذين يعطيهم ظهره وهو يحدّثهم، احتقاراً وتصغيراً لهم، وهو يعلم أن أحداً لا يجرؤ على ردّه أو وقف مهاتراته. 

هل تصبح خطب السيسي وخطاباته المرتجلة يوماً مادّة غنية للمؤرخين وأساتذة الطب النفسي وأصحاب النوادر والفكاهات؟

وأكاد أجزم بأن خطب السيسي وخطاباته المرتجلة ستصبح يوماً مادّة غنية للمؤرخين وأساتذة الطب النفسي وأصحاب النوادر والفكاهات، باعتباره أكثر من حكموا مصر سفسطةً وحماقةً وجهلاً، وذلك على الرغم من ادعائه الحكمة والمعرفة النورانية التي لا يشاركها فيها أحد! وسيجد الباحثون مادة ثريّة شكلاً، فارغة المعنى مضموناً. وجديد الخطب التي تفجّرت فيها مواهب السيسي في الحديث المرتجل، والمنطلق بدون عقال، تلك التي ألقاها قبل نحو أسبوع على مسامع حاضريه ومتابعيه عبر شاشات التلفزة و"السوشيال ميديا"، وبدا فيها حادّاً وغاضباً "يشخط" في مستمعيه، ويؤنّبهم كما لو كانوا أطفالاً صغاراً ينالون العقاب من أبيهم على خطأ ارتكبوه. بدا السيسي، خلال كلمته، كما لو كان منتشياً بلذة الانتصار على المتظاهرين الذين انتفضوا وخرجوا للشارع، أواخر الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، مطالبين برحيله. كما خرج يصرخ في وجوه الناس ويهدّدهم ويتوعدهم بأن مصيرهم سيكون كمصير الدول الفاشلة، لو رحل من السلطة. كذلك عاد السيسي إلى الحديث عن "فزّاعة" ثورة يناير التي يحمّلها كل المشكلات التي مرّت بها مصر على مدار العقد الماضي. وهو يريد من المصريين أن يسلّموا بسرديته، ويصدّقوا روايته ورؤيته لتلك المرحلة، وأن يكذّبوا أنفسهم وكأن على رؤوسهم الطير. يحاول تزييف التاريخ علناً، وعلى رؤوس الأشهاد من دون أن يردّه أحد أو يذكّره بكلمة واحدة عن انقلابه المشؤوم، وقفزه إلى السلطة من دون وجه حق. يريد مسح آثامه وجرائمه، والتركيز فقط على ثورة يناير وكأنها رجسٌ من عمل الشيطان يجب رجمه في كل حديثٍ يخرج به على الناس. بل المدهش هو طلبه أن تُدرَّس سرديته ورؤيته، وتُلقَّن للطلاب في المدارس والجامعات، وفي الإعلام، وذلك في ما يشبه عملية غَسل مخّ فاسدة، تجري تحت سمعه وبصره. أما اللافت في الأمر، فهو أن هذا هو ما يحدث بالفعل على مدار السنوات الماضية، في ظل عملية التشوية والشيطنة التي تمارسها أذرعه الإعلامية على مدار الساعة، من دون أن يصدّق أحد روايته، أو يشتريها ولو بثمن بخس. ولعل هذا سرّ غضب السيسي المكتوم الذي يخرج رغماً عنه في أحاديثه المكرّرة عن الثورة، إلى الدرجة التي تجعله يحلف ويقسم، في كل مرة، بأغلظ الأيمان كي يصدّقه الناس. وربما لم يعد أمامه سوى أن يأتي بمصحف ويحلف عليه أمام الجمهور ويكرّر مقولته الشهيرة "أنا صادق قوي وأمين قوي"! وأظنّه لو فعل ذلك، فلن يصدّقه أحد. 

ربما لم يعد أمام السيسي سوى أن يأتي بمصحف ويحلف عليه أمام الجمهور ويكرّر مقولته الشهيرة "أنا صادق قوي وأمين قوي"!

لا يعلم السيسي (أو ربما يعلم ولكنه لا يبالي) أن كثرة الحلف بالله، (ودعك من كونه كذباً خالصاًّ)، ليس فقط أمراً مكروهاً دينياً، ولكنه أيضاً غير مفيد عملياً ونفسياً. وقديماً قالت العرب: "قليل الألايا حافظ ليمينه... إذا سمعت منه الألية برّت"، أي إن قليل الحلفان أكثر صدقاً وتصديقاً ممن يكثر منه من دون ضوابط. بالطبع، لن يقوى مفتيه، شوقي علام، على أن يحدّثه بذلك، وكيف وهو الذي يكذب أيضاً في أحاديثه التي يتناول فيها الشأن السياسي، ومن ذلك ادعاؤه أخيراً أن نصف أبناء الجيلين، الثاني والثالث، في أوروبا ينتمون إلى تنظيم داعش، في تحريض علني على أبناء الجاليات المسلمة في أوروبا، من دون إدراك عواقب ذلك على حياة ملايين من العائلات والأسر والأفراد هناك. 

لو وُضع السيسي ومفتيه وإعلامه ومسؤولوه على جهاز كشف الكذب، لاحترق الجهاز من هول ما سيُتلى عليه من أكاذيب وافتراءاتٍ تُبَثّ على مدار الساعة من دون رقيب أو حسيب. بل لو وُضعت خطابات السيسي وحدها على هذا الجهاز، لأصابه الخلل والارتباك مما سيسمعه. تماماً مثلما حدث مع الأعضاء الذين عيّنهم السيسي أخيراً في "مجلس الشيوخ" الذين وُضعوا على جهاز كشف المخدّرات، ليجدوا أن نتائج خمسة منهم على الأقل إيجابية ويجري الآن استبدالهم بآخرين. وربما لو وُضع هؤلاء المعينون على جهاز كشف الكذب، لجاءت نتائج اختبارهم أكثر إيجابية من اختبار تعاطيهم المخدّرات.