السيسي معجباً بالسيوطي
(نجيب بلخوجة)
تنكتبُ للملوك والأمراء والرؤساء خطبُهم وكلماتُهم التي يُلقونها في مناسباتٍ وأنشطةٍ ومراسم، أمام جمهورٍ عامٍّ أو خاص، بعد اتفاقٍ معهم على أفكارِها ومضامينها. ويحدُثُ أن يخرُجوا عنها، في ارتجالٍ أو استرسالٍ في بعض المواضع. ولهذا، الراجح أن ثناء الرئيس المصري، الثلاثاء الماضي، في كلمته في حفل تخريج دورة أئمةٍ لوزارة الأوقاف في أكاديميّةٍ عسكرية، على الإمام جلال الدين السيوطي، وإنْ جاء ارتجالاً، كان مُتضمَّناً في كلمةٍ كُتبت له، سيّما وأن بحثاً جماعياً أنجزه هؤلاء الخرّيجون كان عن موسوعيّة العالم والداعية وأثرها في تأديته مهامّه، واختاروا السيوطي نموذجاً. وقد بدا السيسي متحمّساً للشيخ العتيق، وهو يقولُ عنه ما قالَه، ما نمّ عن إعجابٍ يقيم فيه بموسوعيّة هذا العالم الذي وفدت أسرتُه من العراق واستقرّت في أسيوط، ثم أقام في القاهرة، قبل أزيد من خمسمائة سنة. ويظهر هذا الحماس الذي رأينا في أن الرئيس المصري كان يرتجل في التنويه بمزايا السيوطي، ما جعل وسائل الإعلام المصرية تذهب إلى أنه كان يحثّ مستمعيه، الأئمة الخرّيجين (وعموم المصريين؟)، على استلهام سيرة صاحب "تفسير الجلالين"، ذلك أنه تمكّن من تأليف 1164 كتاباً (العدد يبدو بالغ الدقّة ولكنه غير مؤكّد!)، وهو الذي عاشَ 62 سنة فقط، على ما أشار السيسي الذي أوضح أن "الأمر لا يتوقّف عن عدد الكتب والمؤلّفات، لكنه يعبّر عن إخلاصٍ وأمانةٍ تُوّجت بتوفيقٍ من الله في تحقيق ذلك، لتظلّ هذه المؤلفات حيّة". وللحقّ، لا يملك واحدُنا غير الانتصار لهذه الدعوة، والإعجاب بملَكات السيوطي ودأبه ذاك، وإنْ تزّيد من أخبروا الرئيس بهذا العدد من المؤلّفات، فيما هي نحو خمسمائة، وهذا عددٌ كبيرٌ جداً، واستثنائي لا شك.
ومع التسليم المؤكّد بموسوعيّة رجلٍ عاش عمراً يُحسب قصيراً ودوّن هذا العدد المهول من المؤلّفات في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والتصوّف والشعر والطب النبوي وغيرها، يلزم التأشير إلى أن كثيراً منها كان شروحاً لكتب فقهاء ولغويين ومؤرّخين وتعقيباتٍ ونُقولاً (أحدُها ذو عنوان بديع "مشتهى العقول في منتهى النقول")، لكنه، في الوقت نفسه، ظلّ صاحب نظرٍ ورأي في إطار النصوص والأحكام. ولا بأس هنا من التذكير بأن الرئيس السيسي كان، في خطابٍ له في مارس/ آذار 2022، قد سخر من تدريس المصريين أبناءهم في أقسام التاريخ والجغرافيا، فيما السيوطي، المنوّه به قبل أيام، صاحبُ مصنّفاتٍ في التاريخ، بلغت، بحسب ما قرأتُ، نحو 50، أحدُها "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" وآخر اسمُه "تاريخ الخلفاء". وبذلك، يجوز القول إن الرئيس المصري قد تسرّع كثيراً في "حثّه" مواطنيه على عدم دراسة التاريخ والجغرافيا (السيوطي رحّالةٌ إلى حدّ ما، سافر إلى الشام والهند واليمن وتشاد ومالي)، فقد وجد نفسَه "يحثّ" على استلهام سيرة رجل علمٍ ومعرفة، كان تاريخ الأمة من مشاغله. ولسنا ندري إن كان السيسي عُرّفَ بأن السيوطي كان ينفُر من السلاطين والحكّام، و"يحثّ" على عدم الاقتراب منهم. وعلى ما ورد في سيرته التي يُنصح باستلهامها، رفض هدايا أرسَلها إليه سلاطين في مصر، بل وله كتابٌ عنوانُه "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين" (هل هو محقّقٌ ومنشور؟).
لم يكن جلال الدين السيوطي صاحب تجديدٍ خاصٍ في الدرس الفلسفي الإسلامي، ففي الأصل لم يُعرّف بأنه من أهل الفكر والاجتهاد في التأويل، فليس له موقعٌ في التراث الإسلامي بين هؤلاء، وإنْ يبقى عالماً وإماماً كبيراً. وعلى نفوره من التقرّب من أصحاب السلطة وإيثارِه اعتزال الناس في طوْرٍ مديدٍ من حياته، لم يُحسب ثورياً أو داعيةً إلى إصلاح أو تقويم أي اعوجاج. وبذلك، لنا أن نفترض أنه نموذجٌ لعالم الدين الذي لا يُقلق أي سلطةٍ أن يُستلهَم من سيرته هذا الدأب الذي كان عليه في تأليف الكتب (قبل ظهور الطباعة على ما أشار السيسي)، فليس أدْعى للسرور والحبور لدى أهل القرار والحكم العرب من مشايخ ينصرفون إلى شرح موطّأ ابن مالك وسنن النسائي وغيرهما، فلا ينقّبون في الإسلام الذي يستلهمُ منه المسلم عملَه من أجل حقوقه إنساناً ومواطناً. وغالبُ الظنّ أن المشايخ الأفاضل الذي تأهّلوا في دورة الأئمة، وخاطبهم الرئيس السيسي بما خاطبَهم به، ليسوا غافلين عن أمرٍ بالغ الأهمية كهذا، وقد اختاروا من بين أئمةٍ بلا عددٍ في تاريخ المسلمين جلال الدين السيوطي نموذجاً لعملهم، وإماماً لا بدَّ يُعجِب الرئيس... ويُعجِبنا أيضاً.