السياقات السياسية في التقارب التركي المصري

السياقات السياسية في التقارب التركي المصري

14 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

تشهد العلاقات المصرية ـ التركية تقارباً ملموساً، فكما اكتسبت التصريحات السياسية روحاً إيجابية راعت الأصول الدبلوماسية والمصالح المشتركة، فقد استمرت في مواكبة تطور الاتصال السياسي بين البلدين، وتُعد تصريحات المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر جيلك، في مطلع يونيو/ حزيران الجاري، عن تطور مستوى الاتصال السياسي مؤشّراً كاشفاً عن استمرارية المحادثات، وهي تأتي ضمن سياقاتٍ متضافرة عن اتساع نطاق الملفات المفتوحة للتداول. وبجانب الطبيعة الهادئة للمشاورات التركية ـ المصرية من اللافت هيمنة الشؤون الإقليمية على جدول الأعمال، بجانب بعض الأحداث الهامشية، ما يثير الجدل بشأن مستقبل سياستهما الخارجية وموقع عوامل التوتر فترة ما بعد 2013 من مصفوفة المصالح المشتركة.

السياقات الراهنة
مع تداعيات انتهاء حرب طرابلس في ليبيا في إبريل/ نيسان 2020، ثم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ظهر حرص البلدين على تبنّي سياسة منضبطة، تقوم على منع التوتر ومعالجة أسباب الحرب في ليبيا. ولم يشكل إعلان القاهرة بشأن ليبيا، يونيو/ حزيران 2020، مسألة خلافية بين البلدين، على الرغم من ظهور بعض القراءات بإمكانية اندلاع حرب مصرية ـ تركية، فقد تم استيعابه ضمن سياقات التدخل الدولي، وليس مشكلة ثنائية، حيث لم يتضمن خطةً للتدخل العسكري، بل ساهمت نتائجه في تمييز الموقف المصري عن فرنسا والإمارات وفتحت الطريق أمام تسارع الاتصالات مع تركيا.
ومع مطلع العام الجاري، بدأت السياسة التركية تتخذ مواقف واضحة للتقارب مع مصر، كانت بدايتها في تصريح المتحدّث باسم رئاسة الجمهورية، أشار فيها إلى أهمية مصر في العالم الإسلامي وميراثها الحضاري، ثم تلتها تصريحاتٌ مماثلة لوزير الخارجية، تضمنت توضيحاً عن وجود مساراتٍ سياسيةٍ مع مصر والانتقال إلى مرحلة اللقاءات الفنية. ترافقت هذه التصريحات مع توجه الدولة إلى اتخاذ إجراءات أولية لضبط النشاط الإعلامي للمعارضين المصريين، أو منعه، وفي منتصف إبريل/ نيسان 2021، أشارت تصريحات تركية إلى وجود تغير في العلاقات مع مصر، وتم التعبير عنه بـ"العهد الجديد" في العلاقات السياسية، حيث جرى اتصالٌ بين وزيري الخارجية، بدا متفائلاً بإمكانية المضي في استئناف العلاقات العادية. وبشكل عام، تماثلت تصريحات سياسيي تركيا في أهمية تطوير العلاقات مع مصر، وقد أشاروا، في سياقات مختلفة، إلى الميراث التاريخي والقيم المشتركة. وكان لافتاً حديث وزير الدفاع، مايو/ أيار 2021، عن الأبعاد السياسية للعلاقات الثلاثية تركيا وليبيا ومصر.

بعد 2013، شهد البلدان مشكلاتٍ سياسية داخلية شكلت تحدّياً للسلطتين القائمتين، وكانت تتطلب بدء محاولات سريعة لمعالجتها

وعلى مسار موازٍ، بدا تقديم رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في إبريل/ نيسان 2021، الشكر للرئيس التركي أردوغان على إدارة مجموعة الثماني الإسلامية تعبيراً عن تماثل النظر إلى العلاقات الثنائية. كما تحدث وزير الخارجية، سامح شكري، عن حرص بلاده على إقامة علاقات وبدء حوار مع تركيا، واعتبر التصريحات الودّية محل تقدير واهتمام بالانتقال من مرحلة المؤشّرات السياسية إلى الانفتاح السياسي، وإقامة علاقات، وفقاً لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها عدم الإضرار، وتتم صياغته عبر مشاوراتٍ سياسيةٍ تمهد للتلاقي حول المصلحة المشتركة.
ساهم المناخ الانفتاحي في الدخول في اجتماعات تمهيدية، حيث استجابت القاهرة عبر ترتيب اجتماع في 5 ـ 6 مايو/ أيار الماضي، وذلك على مستوى سياسي لم يحدث منذ ثماني سنوات فائتة، شاركت فيه شخصيات دبلوماسية وأمنية رفيعة، لاستكشاف خطوات تطوير العلاقات الثنائية والإقليمية، وصدرت نتائجها في بيان مشترك، تضمن مؤشّراتٍ إيجابية في نطاق العلاقات الثنائية والإقليمية، لا سيما الوضع في ليبيا وسورية والعراق والسلام والأمن في شرقي المتوسط. وقد تلازمت هذه الخطوة مع تشكيل برلماني البلدين لجنة صداقة، لتمثل مساراً داعماً للمحادثات السياسية.

سياقات تشكيل السياسة الخارجية
بعد عام 2013، شهد البلدان مشكلاتٍ سياسية داخلية شكلت تحدّياً للسلطتين القائمتين، وكانت تتطلب بدء محاولات سريعة لمعالجتها، فقد وضعت نتائج انتخابات يونيو/ حزيران 2015 تركيا أمام تحدّيات جديدة، تتعلق بظهور الجناح السياسي لحزب العمال ضمن الأحزاب الممثلة في البرلمان، وعدم قدرة "العدالة والتنمية" على تشكيل الحكومة منفرداً، ما مهّد لسلسلة حوادث عنف قادت إلى اندلاع محاولة انقلابية في 15 يوليو/ تموز 2016. وعلى إثر هذه الأزمات، اتجهت تركيا إلى السير في التحوّل إلى النظام الرئاسي عبر الاستفتاء الشعبي في 2017، وما تلاه من انتخابات في 2018، فقد شكّلت هذه التغيرات أرضيةً لتركيز قوة الدولة تجاه التهديدات على الحدود القريبة، ومكّنتها من مراجعة سياساتها الإقليمية، بحيث تقوم في مجملها على مبادئ السلامة الإقليمية لسورية والعراق، والاحترام المتبادل وتطوير العلاقات الثقافية مع شمال أفريقيا. وفي هذا السياق، قامت استراتيجية السياسة الخارجية على توسيع العلاقات الدبلوماسية على قاعدة المكاسب المتبادلة، سواء في ما يرتبط بالعلاقات الثنائية أو الجماعية، وفق المصالح المشتركة، كتعزيز التجارة ومكافحة التهديدات المتماثلة في مكافحة الإرهاب وضمان حقوق الفلسطينيين في قضايا الحل النهائي.

بعد انتخابات "مجلس الأمة الكبير" في نوفمبر 2015، اتجهت تركيا إلى تقييم وضع المعارضة المصرية، وانعكاسه على سياستها الخارجية

وكشف البرنامج الانتخابي في 2018 عن أهمية وجود الدولة القوية شرطاً لازماً لنجاح السياسة الخارجية. وتقوم عناصر القوة على جانبين؛ تطوير التكنولوجيا لتقليل واردات الطاقة والاعتماد الذاتي في السياسة الدفاعية، إلى جانب توسّع نطاق القوة الناعمة من خلال المنح التعليمية والمساعدات الاقتصادية. مهدت هذه الأسس لبدء تحوّل في السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان من الواضح أن هناك تركيزاً على تطوير العلاقات الدبلوماسية وبرامج التنمية.
وفي سياقٍ مواز، وبعد انتخابات "مجلس الأمة الكبير" في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، اتجهت تركيا إلى تقييم وضع المعارضة المصرية، وانعكاسه على سياستها الخارجية، وخصوصاً ما يتعلق بوجود مشروع سياسي أو المراهنة على الإسلاميين، في ظل تصاعد مشكلاتهم إقليمياً. كان الاتجاه العام ماثلاً في غياب حد أدنى يمثل قيمة مضافةً يمكن البناء عليه، سواء من وجهة محدودية الرأسمال السياسي أو تباعد أهداف المعارضين. ساهمت تلك المناقشات في احتفاظ السياسة التركية بمسافةٍ عن المعارضة المصرية، واقتصرت على منح تسهيلاتٍ إدارية والسماح بأنشطةٍ لا ترقى إلى مستوى التضامن السياسي، برز فيها النشاط الإعلامي عملاً بارزاً ومنفرداً بالنشاط السياسي.
وفي تماثل زمني، بدأت مصر في 2015 في التمكين لسلطة الدولة. وشكّلت التعديلات الدستورية والانتخابات التشريعية أدوات التشكيل السياسي على أساس هندسة حزمةٍ واسعةٍ من التشريعات، وخصوصاً المتعلقة بالتعامل مع خصومها، ولم تقتصر على قوانين الكيانات الإرهابية، بل شملت حزمة من التشريعات الاقتصادية بخلفية الليبرالية الجديدة. وفي موازاة سلسلة من المحاكمات ومكافحة الإرهاب في سيناء. في سياق هذه العمليات، انتقلت السياسة الخارجية من الانكماش لاستعادة التأثير والاشتباك الإقليمي. وهنا، يمكن الإشارة إلى الجانبين؛ يتمثل الأول في أنه، على الرغم من كثافة الدور الخليجي، حافظت مصر على هامش استقلال قرارها، من خلال الاحتفاظ بمسافة عن الانخراط في الصراعات الإقليمية. أما الجانب الثاني، فقد شهدت تغيراً ملموساً في التعامل مع الأزمات السياسية، بحيث اتجهت إلى البحث عن حلول سياسية في ليبيا ودعم المصالحة الفلسطينية، وتطوير العلاقات مع السودان، والسير نحو تقييم أزمة سد النهضة.

مسار السياسات الداخلية والخارجية سار بطريقة متماثلة تدفع إلى البحث عن شركاء فاعلين في السياسة الإقليمية

وغير الاتحاد من أجل المتوسط، أكتوبر/ تشرين الأول 2017، اتجهت مصر إلى تعزيز العلاقة بين ضفتي المتوسط (20 + 15) لتمثل منصة للحوار والمشاركة وزيادة الاستثمارات الأوروبية والقدرة الصناعية في جنوب المتوسط، غير أن مرور الشرق الأوسط بمشكلاتٍ أمنيةٍ حال دون نجاح حل الصراعات والنزاعات المسلحة، وظل استبعاد سورية وليبيا من الاندماج الإقليمي من مصادر التوتر.

ملامح الأجندة
يمكن القول إن مسار السياسات الداخلية والخارجية سار بطريقة متماثلة تدفع إلى البحث عن شركاء فاعلين في السياسة الإقليمية. وبالعودة إلى اجتماعات مايو/ أيار الماضي، يمكن ملاحظة أن جدول الأعمال يعكس رؤية استراتيجية للعلاقة بين البلدين لا تقتصر على معالجة الاختلافات الجارية، فبالنظر إلى نوعية الملفات، يتضح أنها بمثابة طريق للبحث عن سياسات التشَّكُل الإقليمي، فقد أُدرجت ثلاثة ملفات رئيسية؛ ارتبط الأول بقضايا شرق المتوسط وما يتعلق بها من ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز. وتُعد هذه القضية مُثارةً منذ 2003، غير أنها تصاعدت في السنوات الماضية على خلفية تشكيل منتدى غاز المتوسط، ومشاركة دول غير مشاطئة في اجتماعات المنتدى، وظهور ميول أولية لتفضيل التعريف اليوناني لترسيم الحدود، غير أن توجهات مصر إلى ربط الترسيم النهائي بوجود اتفاقية بين تركيا واليونان، وقد دعمت هذه الخطوة مناخ الثقة لفتح نقاشٍ حول إمكانية ترسيم جماعي للحدود البحرية. وفي هذا السياق، انفتحت الديبلوماسية التركية على كل من اليونان وفرنسا، بهدف طرح الأشكال المختلفة لتسوية النزاعات البحرية.
وكان الملف الثاني قائماً على تناسق السياسات في ليبيا، والتلاقي حول دعم الحل السياسي. وبعد انتهاء أزمة الحرب على طرابلس في إبريل/ نيسان 2020، صارت مساحات التلاقي أكبر ما يمكن، وخصوصاً بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية واستمرار وقف إطلاق النار، فقد اتجه البلدان إلى البحث عن فرص التعاون الاقتصادي، وإثارة المناقشات الخاصة بالمرتزقة الأجانب ودمج المسلحين وجمع السلاح. لم تشغل الاتفاقيات التركية ـ الليبية السابقة حيزاً ملموساً من المناقشات، وذلك لاعتبار وجود حكومةٍ ممثلةٍ للدولة في ليبيا، يمكنها عقد اتفاقيات متعدّدة مع البلدان المختلفة. ولذلك، تنحصر المناقشات في دعم السياقات السلمية ومعالجة المشكلات الأمنية.

قد يشكّل الانخراط في المناقشات الدولية نقطة اختبارية لإمكانية تناسق تركيا ومصر في النظر إلى المصالح المشتركة

ويتعلق الملف الثالث بقضايا الأمن الإقليمي. وقد أشارت المباحثات إلى مسألة الوجود التركي في شمالي سورية والعراق، باعتبار تسويتها جزءاً من حل الصراعات الإقليمية. ويمكن النظر إلى شمول جدول الأعمال مثل هذه القضايا مؤشّراً على فرص عملية تشكُل سياقات إقليمية تساهم في رسم خرائط القوة والنفوذ. ويكشف، في الوقت نفسه، عن توفر الأرضية المشتركة لمناقشة قضايا إقليمية. فمن ناحية، يتلاقى الطرفان على أهمية السلامة الإقليمية وضمان فاعلية سلطة الدولة في كل من العراق وسورية إطاراً لتسلم مهامها الأمنية. ومن ناحية أخرى، ساهم رفض مصر طلباً أميركياً بتغطية انسحابها في 2018 من شرق سورية في تجنّب دخول البلدين في اختبار عسكري، يؤدي حتماً إلى هدر ما تبقى من رصيد سياسي.

الفاعلية الانتشارية
ومنذ إعلان تركيا ومصر عن إجراءات بناء الثقة، تمهيداً لبدء محادثات شاملة، حدث تناسق متزامن في سياستهما الإقليمية، فقد تزايدت فاعلية الدور الإقليمي وفتح الملفات المغلقة. وقد ظهر ذلك في مساعي مراجعة العلاقات مع دول الخليج، ودعم مسار المصالحة الخليجية، توطئة لتحييد عوامل التوتر. وقد ساهمت السياسة المصرية تجاه العدوان الإسرائيلي على "الأقصى"، كما يساهم انفتاح تركيا على السعودية وبلدان أخرى في الهبوط السهل للسياسة التركية وترابطها مع القضايا الأساسية. وبالرجوع إلى محتوى السياسة الخارجية، تمثل قوة السلطة/ الدولة عاملاً مشتركاً في التقارب بين البلدين، حيث تمكّنا من صياغة تحوّل واسع في سياستهما الإقليمية، فكما تمكّنت مصر من مراجعة سياساتها تجاه ليبيا، ومقاومة مبادرة السلام الأميركية، صفقة القرن، وتسارع التطبيع، استجابت تركيا للتغير في العلاقات ما بين دول الخليج، وتوسيع النقاش بشأن نزاعات شرق المتوسط والانفتاح على الاتحاد الأوروبي.
قد يشكّل الانخراط في المناقشات الدولية نقطة اختبارية لإمكانية تناسق تركيا ومصر في النظر إلى المصالح المشتركة. وهنا، تبدو أهمية في مؤتمر برلين 2 حول ليبيا، والمزمع انعقاده في أواخر يونيو/ حزيران الجاري، في الكشف عن الفرص المستقبلية للعلاقة ما بين البلدين، وخصوصاً ما يرتبط بالانخراط الفاعل في سياسات حوض البحر المتوسط، وتضييق الفجوة بين ما يُعرف بالمركز والهامش، وذلك عبر بناء صيغة المتوسطية على أساس العلاقات المتكافئة، وخصوصاً بعد تراجع مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" والتصدّعات الداخلية في الاتحاد الأوروبي، ما يطرح إمكانية تقليل المركزية الأوروبية لتكون موضوعاً إقليمياً.

المضي في مشوار مراجعة العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة يرتبط بتماسك الدولتين، والقدرة على تحييد القيود غير المباشرة

ويشكل وضع سورية والعراق حالة فراغ جيوسياسي لكل من تركيا ومصر، سواء بسبب الجوار الحدودي أو إخراج البلدين من التوازن الإقليمي. وعلى الرغم من الإشارات المصرية المتكرّرة عن التدخل التركي في شمالي سورية والعراق، ثمة احتمال بأن المناقشات حولهما تتعلق بتأميم مصادر التهديد المنبعثة من المنظمات الإرهابية، وخصوصاً بعد تعميق الترابطات الدولية لحزب العمال الكردستاني. كذلك ترتبط أيضاً بأن تزايد نفاذ أطراف أخرى يمثل تهديداً إضافياً يسمح باهتزاز التوازنات الإقليمية، فمن جهةٍ، كشفت السنوات الماضية عن الترابط بين انهيار سلطة الدولة في كل من سورية والعراق، وتنامي الضغوط الدولية على الاستقرار الداخلي في تركيا. ومن جهة أخرى، ساهمت تداعيات حصار العراق ثم غزوه في 2003، وانتشار الحرب الأهلية والمجموعات المتطرفة في سورية، في حدوث فوضى إقليمية، ترتب عليها تنامي مصادر تهديد متجدّدة، لم تقتصر على ظهور مشاريع تقسيم للدولتين، بل يُعد وقوعهما تحت النفوذ/ الحكم المباشر لكل من روسيا وإيران، بجانب النفوذ الأميركي، عاملاً إضافياً لإثارة أزماتٍ متتابعة بسبب التقسيم الفعلي لسورية، بحسب حالة انتخابات الرئاسة، والمحاولات الانفصالية للتنظيمات الكردية في شمالي البلدين.
تبدو هذه المناقشات غير عادية، فهي لا تقتصر على بحث ترقية العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية، بل يُعد شمولها قضايا إقليمية مؤشّراً جلياً على تغير النظر في استثمار ميزات الموقع والإمكانات الذاتية لصياغة نسق للعلاقات الإقليمية، يقوم على التعاون بين البلدين، غير أن اختلاف المصالح الدولية تجاه المشكلات الإقليمية يعمل على تعطيل التقارب المصري ـ التركي، وخصوصاً ما يتعلق بالنفوذين الأميركي والروسي، في ملفات سورية والعراق وليبيا، فضلاً عن محاولات التأثير على شؤونها الداخلية.
ويمكن القول إن المضي في مشوار مراجعة العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة يرتبط بتماسك الدولتين، والقدرة على تحييد القيود غير المباشرة. وبتحليل التصريحات المتبادلة والبيانات الصحافية، يتضح وجود استعداد للمضي في تطوير مسارات جدول الأعمال، خصوصاً أن العلاقات الثنائية لم تتجاوز مستوى التوتر على خلفية تذبذب نتائج الربيع العربي، وأنه ليس هناك ما يمكن وصفه بالخلاف الأيديولوجي القائم على السياسات القومية، أو السعي إلى تصدير أفكار مخالفة أو ظهور مشاريع هيمنة.