السياسة قصيرة المدى وفرص السلام في أفغانستان

24 أكتوبر 2020
الصورة

أفغانية في حفل زواح جماعي في حيرات (7/8/2009/فرانس برس)

+ الخط -

بحسب وعوده الانتخابية، جعل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يسعى إلى إعادة انتخابه الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، انسحاب قوات بلاده من الحروب "السخيفة التي لا نهاية لها" حجر الزاوية في سياسته الخارجية. مع ذلك، لا تزال آلاف القوات الأميركية موجودة في العراق وسورية وأفغانستان. وتزامنا مع الذكرى التاسعة عشرة للغزو الأميركي لأفغانستان (7 أكتوبر/ تشرين الأول)، غرّد ترامب عبر "تويتر" إن جميع القوات الأميركية في أفغانستان يجب أن "تعود إلى الوطن بحلول عيد الميلاد". وقد أثار هذا الإعلان انتقاداتٍ واسعة، رأت فيه إضعافا لموقف الحكومة الأفغانية خلال المفاوضات الجارية مع حركة طالبان، وتقويضا لمصداقية الولايات المتحدة أمام الحلفاء؛ يشير إلى تخلّيها عن التزاماتها تجاههم من أجل حسابات سياسية داخلية قصيرة المدى، ويضرّ بشدة بالدعم الدولي الذي عملت الولايات المتحدة جاهدةً لبنائه حول عملية سلام أفغانية مستدامة. هناك خشيةٌ من أن يعرّض أي انسحاب مبكر الأمن القومي للولايات المتحدة للخطر، حين يترك لها نفوذا أقل، للتأكد من أن "طالبان" ستفي بالتزاماتها، خصوصا فيما يتعلق بمنع شبكة تنظيم القاعدة وغيرها من حركات إرهابية من استخدام أفغانستان لمهاجمة الولايات المتحدة.

الانسحاب الأميركي السريع من أفغانستان  يعني فعلياً التخلي عن ثمار عامين من الدبلوماسية الأميركية الحازمة مع "طالبان"

دفعت الانتقادات رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، إلى أن يوضح أن سحب آخر دفعة من القوات الأميركية، وقوامها 4500 جندي، يعتمد على مدى تقليص "طالبان" الهجمات، ودفع محادثات السلام مع حكومة كابول. لكن ذلك لم يلغ أثر تغريدة ترامب، سيما مع تصعيد "طالبان" هجماتها أخيرا ضد قوات الأمن الوطني الأفغانية، إذ عكس إعلانه اندفاعا إلى سحب قواته وإنهاء أطول حربٍ خاضتها واشنطن من دون تحقيق أهدافها المعلنة، وقبل الموعد النهائي (مايو/ أيار 2021) الذي نص عليه اتفاق الدوحة (في فبراير/ شباط 2020) بوقت طويل. وفي مقابل اهتمام ترامب المستمر بالانسحاب السريع من أفغانستان، عمل كثيرون، داخل الولايات المتحدة وخارجها، على إقناعه بمواصلة المسار، وضمان سلام مستدام، وأن الانسحاب السريع يعني فعلياً التخلي عن ثمار عامين من الدبلوماسية الأميركية الحازمة مع "طالبان"، والشركاء الأفغان في كابول، والشركاء الإقليميين والدوليين، لإحضار الأطراف الأفغانية إلى طاولة المفاوضات. 

تواصل الإدارة الأميركية الحديث عن تخفيضاتٍ في قواتها، غير عابئةٍ بضمانات نجاح جهود السلام

إذا تأكد الانسحاب الأميركي المبكر فذلك يقلب الميزان لصالح "طالبان" التي لا تزال تشن الحرب، وتسيطر على 50% من مساحة أفغانستان. كان الالتزام بالحد من العنف من العناصر الأساسية في اتفاق الدوحة، بوصفه وسيلة لتهيئة الظروف المواتية لمحادثات السلام الجارية. تجاهلت الحركة هذا الالتزام، ومع تراجع هجماتها ضد القوات الأجنبية، فإنها زادت بالفعل وتيرة حملتها العسكرية وشدّتها ضد قوات الأمن الأفغانية والمدنيين الأفغان. في الوقت الحاضر، لا يوجد ما يشير إلى وجود اهتمام جاد من "طالبان" بتنفيذ وقف إطلاق النار. وقد اضطرّت واشنطن، قبل أيام، لتدخّل عسكري، نَدُرَ نظيره منذ اتفاق الدوحة، فشنّت المقاتلات الأميركية هجوما على الحركة دعما للقوات الحكومية الأفغانية التي تصدّ في ولاية هلمند الجنوبية هجماتٍ عنيفة تشنها "طالبان". 

كان من الطبيعي أن ترى "طالبان" في بيان ترامب "خطوة إيجابية"، فالمحادثات بينها وبين الولايات المتحدة كانت أقلّ تركيزاً على السلام من تركيزها على طموحات قصيرة المدى يتشاركها الطرفان، تتعلق بسحب القوات الأميركية من أفغانستان. وبعد إعلان ترامب، قد تفضّل طالبان الانتظار، وتحاول تعطيل المحادثات، حتى تكمل الولايات المتحدة انسحابها. وليس ثمّة ما يمنعها في حال غادرت الولايات المتحدة وحلفاؤها، من أن تكثف حملتها العسكرية، سعيا إلى نصر عسكري حاسم. في المقابل، لم تحرز الحكومة المركزية الأفغانية أي تقدّم واضح نحو إنشاء نظام سياسي مستقر، وظلت غير فعّالةٍ في التعامل مع التحدّيات المدنية والاقتصادية والأمنية، ولا تزال قدرة قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية على الاعتماد على نفسها غير مؤكّدة.

لا تزال أفغانستان في سياق سياسي معقّد، واجتماعي متعدّد الأعراق ومنقسّم، في غياب حدٍّ أدنى من الإجماع الوطني

تواصل الإدارة الأميركية الحديث عن تخفيضاتٍ في قواتها، غير عابئةٍ بضمانات نجاح جهود السلام، ولا تزال أفغانستان في سياق سياسي معقّد، واجتماعي متعدّد الأعراق ومنقسّم، في غياب حدٍّ أدنى من الإجماع الوطني حول قضايا مثل نماذج الحكم المستقبلية، وحماية الفئات المهمّشة. كان من المتوقع أن تبدأ المفاوضات بين الأفغان في مارس/ آذار الماضي، ولكن تم تأجيلها بسبب الخلاف حول تبادل الأسرى. بعد تعثّر، انطلقت المحادثات بين طرفي النزاع الأفغاني في الدوحة في الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، وشكّلت قضايا نحو: شكل الدولة الأفغانية المستقبلية؛ وضع المقاتلين والجيش؛ حقوق المرأة والأقليات، تحدّياتٍ لا يمكن التغلب عليها، وأظهرت مدى التباعد بين الطرفين، وأن الظروف ليست مواتيةً لإنهاء الصراع الأهلي. هناك عجز في بناء الثقة بين الجانبين. يبدو وفد الحكومة منقسما، ناهيك عن الانقسامات في حركة طالبان بين البشتون والطاجيك والهزارة. وذلك كله متوقع بعد 19 عامًا من القتال الذي دمّر أفغانستان، وقتل الملايين وشرد مثلهم. 

يتم إبرام الاتفاقيات، ولكن السلام في أفغانستان يبدو بعيد المنال. ولا تزال المفاوضات الأفغانية تصارع قضايا أولية، ولم تصل إلى الجوهر الحقيقي للمفاوضات. ليس من الواقعي الاعتقاد بأن هذه القضايا ستحل بسرعة، أو بدون قدرة الولايات المتحدة والشركاء الآخرين على ممارسة النفوذ في أفغانستان. قد تخضع خطة البيت الأبيض للانسحاب للمراجعة، في حال خسر ترامب في الانتخابات الرئاسية، ولكن ليس لدى منافسه جو بايدن بدائل حقيقية، وحديث الأخير عن انسحاب مسؤول لا يعني أكثر من الإبقاء على قوةٍ تضمن عدم قدرة الجماعات الإرهابية على إعادة بناء نفسها ومهاجمة أميركا من جديد، لكن المسؤولية هنا تبقى منقوصةً من دون حضور أميركي ودولي مسؤول، يضمن قيام أي اتفاق بين الفرقاء الأفغان على رؤية شاملة لما يعنيه السلام، وكيف يمكن أن يتشكل. إن مجرّد التداول على مستوى النخبة في الأمور السياسية والعسكرية لن يجلب السلام إلى أفغانستان. يجب أن تكون القضايا الحاسمة مثل المصالحة، ونزع السلاح، والاندماج، والعدالة الانتقالية، ومبادرات السلام التي يقودها المجتمع، جزءًا من الحوار. يجب التخلي عن سياساتٍ قصيرة المدى، ومنح الوقت الكافي للقضايا المستعصية. عدا ذلك، تستطيع أي إدارة أميركية تجنب مأساة تطاول جنودها في أفغانستان، لكن ذلك لن يمنع استمرار المأساة الأفغانية.