السيادة التونسية ورياح إقليمية متعاكسة

25 يناير 2026

الممثل كريم الغربي (يمين) والمحامي سيف الدين مخلوف

+ الخط -

قبل أن تغرق تونس تحت أمطار طوفانية، كان الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي دائراً بشأن شخصيتين لا يجمع بينهما سوى السياق الراهن في البلاد. يختلفان في النشأة، والمسار، والتكوين السياسي، ومع ذلك اختلف حولهما التونسيون، وانزعجت منهما السلطة، ونال كل منهما نصيبه من الهجوم من الموالين للرئيس قيس سعيّد.

الأول، المحامي ورئيس حزب ائتلاف الكرامة، سيف الدين مخلوف. المعارض الذي عرفه الجمهور بعد الثورة دائم الاحتجاج والتمرد، لا يتردّد في مواجهة خصومه السياسيين (في مقدمتهم عبير موسي) بشراسة، بعد أن أصبح عضواً بالبرلمان، إلى جانب تصدّيه للأجهزة الأمنية بطريقة مباشرة وقوية. ... كان في البداية نصيراً لقيس سعيّد، قبل الاختلاف معه ليصبح من بين منتقديه والداعين إلى إبعاده بالوسائل السياسية. اختلف معه كثيرون، وحوصر بأساليب مختلفة، منها وضعه في السجن، لكنه بقي واثقاً من نفسه، ومقتنعاً بأن الطريق الذي اختاره سيوصله إلى تحقيق أهدافه. وعندما ضاق به الحال، تسلّل إلى الجزائر بطريقة غير نظامية، وسرعان ما جرى التفطّن له. في البداية، وُضع في السجن، ثم نُقل إلى مكان خاص بالذين ينتظرون رد وكالة الأمم المتحدة الخاصة باللجوء السياسي. وعندما تلقى ردّاً إيجابياً، سلّمه أعوان الحدود للأمن التونسي الذي نقله مباشرة إلى سجن المرناقية، وكان يظن أنهم سينقلونه إلى المطار.

أحدث هذا الاعتقال والتسليم رجّة في صفوف المعارضين السياسيين، واعتبروه رسالة موجهة إليهم، فللجزائر تاريخ سابق في هذا الشأن. إذ بحكم الحدود المشتركة والطويلة بين البلدين، كانت تعتبر في الغالب ملجأً "شبه آمن" بالنسبة إلى المعارضين التونسيين الذين يهربون إليها، كلما اشتد حولهم الخناق في داخل بلادهم، بحثاً عن دولةٍ أخرى آمنة. فعل ذلك على سبيل المثال أحمد نجيب الشابي في سبعينيات القرن الماضي، والوزير الأول السابق محمد مزالي في أواخر الثمانينيات، وقبله الوزير أحمد بن صالح. وقبل سنوات قليلة فقط، ألقت السلطات الجزائرية القبض على رئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، رغم منافسته قيس سعيّد على الرئاسة في 2019، وكادت أن تسلمه، وبعد تفكير مكّنته من التوجه نحو أوروبا.

هذه بعض الأمثلة الدالّة على براغماتية الجزائر، لكنها فضلت هذه المرّة أن تعتمد أسلوباً مختلفاً. هل يعود هذا فقط إلى موقف العسكر من التوجه الفكري والسياسي لشخصية سيف الدين مخلوف، أم أن المسألة أعمق وأبعد، وخصوصاً أن القرار الجزائري جاء أخيراً بعد اتفاقية الدفاع المشترك. وهي الوثيقة التي استندت إلى رؤية استراتيجية قائمة على أن أمن تونس جزء من أمن الجزائر، الذي يعني الالتزام بالمصير المشترك الذي اعتبره المعارضون التونسيون ترجمة عملية للقول إن "حماية أمن النظام التونسي تندرج ضمن مسؤولية النظام الجزائري".

الشخصية الثانية، كريم الغربي، المعروف بـ"كادوريم"، الذي تحوّل من مواطن يقطن حياً شعبياً، إلى أحد الأثرياء الكبار، يملك طائرة شخصية وسيارات خيالية، وينفق المليارات في مشاريع مختلفة. ومن فنان "الراب" إلى صهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي، إلى المرشّح للانتخابات الرئاسية التي حرمه سعيّد المشاركة فيها، وحكم عليه بخمس سنوات سجناً بتهمة تزوير تواقيع مواطنين. لكنه فاجأ الجميع بتمويل شريط سينمائي وثائقي، اعتبره كثيرون ناجحاً على مستوى الإخراج. وتتعلّق المفاجأة الثانية بتنظيمه حفلاً باهراً جمع وجوهاً كثيرة، منهم مائة مؤثر ومؤثرة من تونس وخارجها، وذلك في دبي. وبناءً عليه، تصدى له الإعلام الرسمي، الذي اتهمه بأنه "دمية" بيد الإمارات، لتجعل منه الرئيس القادم لتونس، وذلك بعد أن توجّست من ثورتها، وسعت إلى إقصاء حركة النهضة وإبعادها عن السلطة من خلال الضغط على الباجي قايد السبسي.

... تحاول تونس التمسّك باستقلالية قرارها، لكن تاريخها يؤكد تعرّضها باستمرار للتدخلات الخارجية المتعاكسة في النيات والأهداف، فهل يدرك التونسيون أن وحدتهم هي التي تضمن حماية قرارهم المستقل. نقطة وارجع إلى السطر.

266D5D6F-83D2-4CAD-BB85-E2BADDBC78E9
صلاح الدين الجورشي

مدير مكتب "العربي الجديد" في تونس

The website encountered an unexpected error. Please try again later.