السويداء أزمة وطنية مفتوحة... وسورية أيضاً

18 يوليو 2026

تتميّز السويداء في جنوب سورية بحسّ وطني عالٍ، وبأغانٍ وطنية تصعب ملاحظة مثيل لها في بقية المحافظات. هي المحافظة التي رفضت أن تكون دولةً وفق المخطّط الاستعماري الفرنسي. قادت الثورة في 1925، وحملت كذلك لواء الثورة ضدّ السلطة في 2023، حين انقسمت سورية بين سلطات هيئة تحرير الشام والجيش الوطني و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ونظام الإبادة ورأسه بشّار الأسد. حملته، وظلّت ترفعه حتّى لحظة هروب المجرم بشّار.

في يوم الهروب، وقبل سطوع الشمس، كانت السيارات قادمةً من السويداء للاحتفال في ساحة الأمويين. اتصل بي أحد الأصدقاء للذهاب معهم إلى هناك، وكانت تلك من أجمل اللحظات التي مرّت فيها سورية. جمعٌ بشري يزداد كلّ دقيقة، والكثير الكثير من الفرح. كان أهل السويداء في مقدّمة الداخلين إلى الساحة. هذه هي أحوال السويداء في لحظة الخلاص من ذلك "الأبد" المشين في حقّ البشرية والسوريين، ونقصد حكم عائلة الأسد (الأب والابن).

حينذاك، كان خطاب هيئة تحرير الشام، وعبر قيادة العمليات العسكرية، أنّ سورية لكلّ السوريين، وأن المجرمين فقط يحالون إلى المحاكم. كانت واضحةً في أنّ سورية لن تعود إلى الانقسام المجتمعي، الطائفي والقومي. كانت تحمل مشروعاً وطنياً، وتغادر تاريخها في تبنّي "الكيان السنّي" والدويلة الطائفية والسلفية الجهادية. بدا أنّها كانت تحمل رؤى وطنية في تلك اللحظة. السؤال: ما الذي تغيّر؟ ولماذا تسير بنا السلطة، بعد قرابة عامين، إلى هذا الانقسام المجتمعي الطائفي كلّه، وإلى الإحباط وفقدان الأمل وتأزّم الأزمات الموروثة في الاقتصاد والعلاقة بين الطوائف، وأيضاً في شكل النظام السياسي الأقرب إلى الاستبداد، وإلى احتلالٍ صهيوني لمناطق واسعة في سورية ودعمه انفصاليّي محافظة السويداء. أين المشكلة؟

ترى السلطة السورية المجتمع السوري طوائفَ وقومياتٍ وإثنياتٍ وتعتبر نفسها ممثّلةً حصريةً للسنّة

شهد عام 2025 مجزرتَين كبيرتَين، في الساحل وفي السويداء. قبل ذلك، لم تستمرّ السلطة في نهجها الوطني لحظة الخلاص، بل اعتمدت أوساطها سؤالاً قذفته في وجوهنا: أين كنتم في السنوات الـ14 الماضية. كان التشكيك كاملاً في كلّ السوريين، ومن كلّ الطوائف. هنا كان جذر المشكلة، ولم يتغيّر هذا الخطاب. وبعد ذلك، كرّت المسبحة وكُفّرت الأقليات، لا سيّما العلويون والدروز والأكراد. ليست المشكلة في السويداء أو الأكراد أو العلويين، ولا في من كان خارج إدلب. المشكلة في أنّ السلطة ترى المجتمع السوري طوائفَ وقومياتٍ وإثنياتٍ وتعتبر نفسها ممثّلةً حصريةً للسنّة، ولكيفية قيادة المرحلة الانتقالية، ولكيفية الانتقال من الماضي إلى الحاضر، ولا يمكن العيش في الماضي في اللحظة الراهنة التي يكرّر الرئيس أحمد الشرع أنّها لحظة بناء الدولة ومغادرة الماضي.

التوصيف الدقيق للحالة السورية أنّها دخلت مرحلةً انتقاليةً، انتهت فيها السلطة القديمة، وتتشكّل سلطة جديدة، وكلّ شيء فيها في حالة سيولة، وكثير من ممارساتها تتطابق مع سنوات وجودها في إدلب، لا سيّما السنوات القليلة الماضية. الغائب الأكبر، ومنذ لحظة الخلاص، هو إشراك الشعب في تقرير شكل هذه المرحلة الانتقالية، ومحاولة السلطة تشكيل نظامها السياسي ودولتها، بل أكاد أقول مجتمعها كذلك. في هذه الأجواء، حدثت تلك الانتهاكات كلّها في الساحل والسويداء، وارتدّت السلطة إلى رؤية احتكارية، انفرادية بالسلطة والدولة، بل وذهبت إلى تسويات مع رجالات من العهد البائد، ولم تنفتح بشكل حقيقي على جمهور الثورة منذ 2011، وبالكاد نرى بعض التغيير في المناطق المدمَّرة والمهجَّرة، ولولا جهود هؤلاء السوريين المميّزة في محاولة ترميم منازلهم، وإصلاح مشاريعهم الزراعية وبعض الورش والصناعات وترحيل ملايين الأطنان من الأنقاض، لكانت أحوال تلك البلدات كارثية، وطبعاً لم تُعوَّض خسارة الأهالي، لا في إطار العدالة الانتقالية وجبر الضرر، ولا من خلال دعم السلطة مباشرةً لتلك المناطق ولأهلها، وما زال أكثر من 800 ألف شخص في المخيّمات.

المسؤولية الأولى تتحمّلها السلطة في دمشق، لأنّها تمثّل الدولة، ويفترض أن تمثّل كلّ السوريين

والآن، لماذا تُركت السويداء عاماً من دون أيّ مبادرة جادّة تنصف الأهالي، وتجبر الضرر، وتفتح مسارات وطنية، وتوقف الانقسامات الطائفية والمناطقية؟ هل يمكن الاكتفاء بالقول إنّ حِكمت الهجري يتعامل مع الدولة الصهيونية، فتُركت السويداء لعزلتها؟ ولكن، ألا تشير خطوات السلطة تجاه هذه المحافظة إلى أنّها تفكّر في محاولة دخولها عسكرياً من جديد، وتتحيّن اللحظة المناسبة؟ منطقياً، وفي غياب مبادرة وطنية، وترك المحافظة لتفاعلات خاصّة بها، يبدو أن الجواب نعم.

طيّب، وماذا فعلت السلطة بعد تلك الانتهاكات، وقد شكّلت لجنةً وطنيةً للتحقيق أقرّت بالانتهاكات وبتدمير 36 قرية، وأنّ هناك مئات المشاركين في الأحداث يجب أن يحاكموا، ومن الأطراف كلّها: أفراد من الجيش ومن فصائل السويداء ومن العشائر، والمشكلة في غياب قضاة وشخصيات موثوقة من السويداء يشاركون في التحقيق، فمن شروط العدالة الانتقالية أن يشارك الأهالي الذين تعرّضوا للانتهاكات في لجان التحقيق.

اجتهدت السلطة في التضييق على حركة التجارة بين دمشق والسويداء، وحاولت أن تستعين بدروزٍ لتهشيم "سلطة" الهجري، بينما اتجه الأخير نحو شكر الدولة الصهيونية. وفي إطلالاته الإعلامية كلّها، وفي جميع البيانات الصادرة عن القيادة الروحية للدروز، مستنداً إلى تدخّل دولة الاحتلال لإيقاف المجزرة في منتصف يوليو/تموز الماضي. تبدو رؤية السلطة للعلاقة مع السويداء ورؤية الهجري متباعدتَين بدرجة كبيرة، ويغيب عنهما الهمّ الوطني. فليس التدخّل الصهيوني في السويداء فقط، هناك تدخّل صهيوني في أرياف دمشق الغربية والقنيطرة ودرعا يهدّد كلّ السيادة الوطنية، وهو ما يتطلّب مبادرةً من السلطة لترميم الوضع الداخلي ومواجهة هذا الخطر الذي لا تعطيه السلطة قدراً عالياً من الاهتمام، وتكتفي ببعض البيانات أو التصريحات التي ترفض التوغّلات الصهيونية (زادت عن 900 توغّل) وتدمير أغلبية البنية العسكرية السورية مع هروب بشّار الأسد.

من أكبر الأوهام الاعتقاد بأنّ الدولة، بل والسلطة، يمكن أن تترسّخ من دون المشاركة السياسية

لم يركّز التحليل أعلاه على مشكلة السويداء بوصفها أزمةً وطنيةً فقط، ويُفترض ألّا تُترك لتتفاقم مشكلةً طائفيةً مستدامةً كما هي اتجاهات الوضع حالياً، وليعاني الأهالي في مناحي حياتهم كلّها، فتتوقف العملية التعليمية ما بعد الشهادة الإعدادية مثلاً. مهما رفضنا خيارات الهجري، فإنّ المسؤولية الأولى تتحمّلها السلطة في دمشق، لأنّها تمثّل الدولة، ويفترض أن تمثّل كلّ السوريين. وثانياً لأنّ جيشها وعناصر أمنها والعشائر الموالية لها ذهبوا إلى هناك وارتكبوا كلّ أنواع الانتهاكات. المشكلة الحقيقية في أنّها تعترف بأنّها وقعت في الفخّ ولكنّها لم تبادر إلى اجتراح الحلول. هي مشكلتها إذاً.

يرفض كاتب هذه السطور كلّ استعانة (سابقة على المجازر وتالية عليها) بالدولة الصهيونية، ولا يرى حلّاً لما جرى إلّا بأن تعترف السلطة بمسؤوليتها، وأن تحيل الشخصيات الأساسية التي خطّطت لدخول السويداء إلى المحاكم، وتُشرك شخصيات من السويداء في لجنة جديدة للتحقيق، وأن تكون اللجنة مستقلّةً بشكلٍ كامل عن وزارة العدل، وعن القضاء والسلطة التنفيذية كذلك.

بناء الدولة يكون عبر مشروع وطني جامع، وبإشراك كلّ السوريين في إدارة المرحلة الانتقالية، وبالتركيز على اللامركزية في علاقة المحافظات بالعاصمة. يتطلب ذلك مختلف أشكال التشاركية، وإشعار جميع السوريين بأنّهم شركاء في هذه المرحلة، وبأنّ النظام السياسي في نهاية المرحلة الانتقالية هو نظام ديمقراطي ويتماشى مع مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية. هذا هو المدخل نحو حلّ الأزمات الموروثة. إنّ الاكتفاء بمديح الانفتاح على الغرب ورفع العقوبات، وآخرها البدء بإجراءات رفع اسم سورية من الدول الداعمة للإرهاب غير كافٍ ويراكم الأوهام. لقد صار واضحاً أنّه ليس كافياً لحيازة الشرعية، حتّى الشرعية الخارجية، فللأخيرة اشتراطات واسعة. إنّ أزمة السويداء أزمة وطنية مفتوحة، وكلّ الوضع السوري في أزمة مفتوحة كذلك، ومن أكبر الأوهام الاعتقاد بأنّ الدولة، بل والسلطة، يمكن أن تترسّخ من دون المشاركة السياسية، ومن دون إيقاف السياسات العامّة التي تتجه بالسلطة نحو العزلة عن مختلف فئات الشعب، وفي المحافظات كلّها.