السوريون العلويون. من العزلة إلى إعادة اكتشاف الذات

12 ديسمبر 2025

سوريون يتظاهرون في اللاذقية ضد انتهاكاتٍ يتعرّض لها العلويون (25/11/2025 فرانس برس)

+ الخط -

تنبعثُ اليوم الأسئلةُ الأكثر حساسيةً من تحت الركام السوري، لتُظهِر موشور الحياة السياسية في أوضح تحوّلاته وتعرّجاته، ومنها سؤال الطائفية، وقد باتت الهُويَّة الضيقة (بصورة ما) القوقعة الآمنة ضدّ الخوف والعزلة، ولم يتأتَّ هذا تاريخياً إلا من زاوية إبقاء الحذر كامناً بين الطوائف وعدم إتاحة الفرصة لانفتاحها على بعضها. وعليه، ومع انهيار العقد الاجتماعي في وقتٍ لم يبدأ السوريون فيه حتى أولى خطوات الشفاء، تحوّل الفراغ السياسي ساحةً لتصارع المظلوميات، وكأنّ الواقعَ قنبلةٌ موقوتةٌ ولا عدّادَ واضحاً، بدلالة مظاهرات العلويين المُطالِبة بوقف القتل وإخراج المُعتقَلين وما تلاها من مسيراتٍ مضادّةٍ في الذكرى الأولى لعملية ردع العدوان، بعضها حُمِّل برمزياتٍ استفزازية، ربطت الكرد بصندوق "البويا"، والدروز بـ"المقصّ"، وثمّة تجمّع هدّد بحشدِ جيشٍ يمتدّ حتى تخوم القرداحة، إنْ لم يلتزم العلويون الصمت المُطبِق.

كلتاهما، المظاهرات والمسيرات، كشفتا البلاد دفعة واحدة على آثار عقدٍ من الاحتقان، وعلى تركةٍ ثقيلة من التفكّك البنيوي للدولة والمجتمع معاً، وأعادت إلى الواجهة أخطر مخرجات عقود "البعث" من شوفينية وأحقاد، وكأنّ البنيةَ المجتمعيةَ الصُّلبة التي بناها نظام الأسد لم تسقط مع سقوطه، فالشروخ العميقة كانت دائماً بلا حدود واضحة بين مستوياتها، أقرب إلى الطيف اللوني تتدرّج في الشدّة والتأثير والخطورة. شارع ضدّ شارع، وسردية ضدّ أخرى، لتبرز الطائفية لا بوصفها عقيدةً دينيةً، بل أداة لإعادة ترتيب مفردات الهيمنة والنجاة، من المؤكّد (إذا ما لُجِمت) أن تتحوّل صدعاً مزمِناً يُقوّض مشروع العبور إلى الخلاص، ويُرسّخ هوامشَ إضافيةً يسودها فراغ هرمي يبتلع الحدث السوري ويُقطّع تسلسله.

التعميم الحذر واجب هنا، رغم أنّ المسيرات المضادّة بدت قناةَ تفريغ لغضب "الأكثرية"، تتمحور في جوهرها حول تحميل الآخرين مسؤولية ما آلت إليه البلاد، خصوصاً الطائفة العلوية التي نالها أيام حكم الأسد من العنف المادي بالقدر نفسه من العنف النفسي، وكانت "فتنة الساحل" في مارس/ آذار المنصرم قد فتحت باب الأسئلة (وتمنّى كثيرون ألا يُفتح) عن مصير العلويين في ظلّ النظام الجديد، لشعورهم بأنهم غرباء منبوذون، ومستباحون إثر فرز وزير ثقافة الحكومة الانتقالية أبناء الطائفة إلى خدم أو مجرمين، وتبرير المتحدّث باسم وزارة الداخلية ظاهرة اختطاف الفتيات العلويات بالالتجاء إلى أحضان عشاقهن، وجاءت محاكم حلب لمحاسبة المتورّطين في مجازر الساحل لتزيد الطين بِلَّةً بعدما أكّدت أنّ فيديوهات القتل مفبركةٌ بالذكاء الاصطناعي.

وفي الساحل السوري، الذي كان يُروَّج أنه مجالَ نفوذٍ علوي، ظهرت أولى ملامح التصدّع بعد سقوط الأسد، رغم إصدار بياناتٍ موقّعة من رجال دين يعربون فيها عن تأييدهم الخجول للنهج الجديد، داعين المواطنين إلى تسليم السلاح وإزالة صور النظام البائد. هذه المبادرات بدت نابعةً من حالة دفاعية صرفة ضدّ مزاجٍ شعبي تبنّى دائماً سردية أنّ سبب دمار الدولة السورية هو حاكمها العلوي وطائفته، بدليل ما أنتجه يوم وفاة حافظ الأسد من مشاهد هروب العلويين إلى قراهم، ثم جاء الابن ليعزّز خيار انعزالهم في جيوب الترقّب لما قد يأتي، وسط احتقاره لهم على نحو ما أكّدته تسريبات الأسد-الشبل وهما يسخران من جنودٍ علويين مرابطين في الغوطة. بالتالي، أصبحت هُويَّتهم الطائفية الحكم الحاسم، تُحدِّد من ينجو ومن يُقتَل، لتسود حالة يأس مطلق استُعيض عنها بفكرة "شدّ العصب العلوي" بوصفها آخر الملاذات الممكنة.

تأتي تصريحات الرئيس أحمد الشرع خلال منتدى الدوحة 2025، وفي تحوّلٍ لافت، لتؤكّد أنّ العلويين أكثر المُتضرِّرين من النظام السابق

في السياق، وأكثر من الأقليات الأخرى، يبدو توجّسُ العلويين من أنْ يصبحوا "أهل ذمّةٍ" في دولةٍ قد لا تراعي خصوصياتهم، منطقيّاً بدرجةٍ كبيرة، خصوصاً أنَّ قصّة اختطافهم بدأت مذ انتشرت نظرية تقول إنّ وصول حافظ الأسد وابنه إلى السلطة حصل فقط لأنهما علويان، بهدف ضرب المجتمع السنّي بمساعدة أعداء سورية، وازداد الحال تأزّماً مع حركة الإخوان المسلمين وما تلاها من أزمةِ ثقةٍ عميقة، ولاحقاً ردّة فعل النظام العنيف جدّاً بعد عام 2011، دافعاً الطائفية إلى أخطر مستوياتها، ليُنسب إلى العلويين جرائم الحقبة الأسدية وموبقاتها، بعدما استثمر الإعلام المعارض الروايات الأكثر تحريضاً وعاطفية، التي لاقت تجاوباً شعبوياً غريباً إثر ربطها العضوي مع فكرة أنّ نظام الأسد علويٌّ عميلٌ، ليبدأ التورّط الحقيقي، حرفياً، بعد تعبئة العلويين، قسراً وطوعاً، ضمن سلاح الجيش والأمن، وعبر أنماط قمع انتقائية عزّزت صورة النظام "حامياً للأقليات"، مستخدماً الشقَّ "الشيعي-السنّي" في أدلجة الصراع الطائفي وبرمجته. أمّا النُّخب العلوية، فإمّا صُفّيت وإمّا بقيت مُهمّشةً غارقةً في كتب ونظريات بعيدة من الواقع.

بحسب تقرير لوكالة رويترز، تُعدّ منطقة جبال العلويين من أفقر المناطق السورية، رغم أنها خزّانٌ بشريٌّ لجيشها. وهكذا، من حُكم "البعث" إلى حُكم هيئة تحرير الشام، يقترب العلويون من العيش مجدّداً على هامش الدولة، يعيشون صدمةً كاملةَ الأركان بعدما تُركوا وحدهم ليواجهوا مصيرهم المجهول بعد هروب رؤوس نظام الأسد من العلويين المستفيدين من عطايا هذا الحكم الفاشي، وسط تجاهلهم التامّ من سلطةٍ اجتمعت (وبشكل مباشر) بممثلين عن كلّ الطوائف السورية عداهم، ولم تبدِ أيَّ حساسيةٍ تُذكر تجاه مجازر الساحل وضحاياها المدنيين، ولا حتى الإشارة إليهم مكوّناً لا يجب تحميله وزر نظام الأسد، ما دفع إلى اشتراك بعضهم بمؤتمر "وحدة الصفّ" في الحسكة، ولاحقاً مؤتمر الأقليات في إسرائيل، بحثاً عن صوتهم المفقود ضدّ ثنائية "التحامل والتحيّز"، وضدّ ما تُسمّى لجنة السلم الأهلي التي تعامل معها كثيرون على أنّها عقد إذعان للسلطة الجديدة. واليوم، تأتي تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع خلال منتدى الدوحة 2025، وفي تحوّلٍ لافت، لتؤكّد أنّ العلويين أكثر المُتضرِّرين من النظام السابق.

يبرز تهميش العلويين بوصفه مجموعةً من الذهنيات الدفاعية لإعادة التموضع "السُّني"

في المقابل، وجد كثيرٌ من الشبّان والشابّات أنفسهم أمام هوّة حقيقية في ما يخصّ الهُويَّة الجمعية، وتَعمّقَ لدى أغلبهم الشعور بالانتماء إلى الطائفة، لا حبّاً فيها، بل خوفاً من أن يصبحوا أهدافاً مستباحة في فضاء أمني منفلت. أمّا آخرون، فوجدوها فرصةً تاريخيةً لإعادة تعريف أنفسهم خارج كلّ الأطر والتوصيفات الجاهزة، بعيداً من تأثير مجالس حقّقت شعبيةً وقبولاً معقولاً، منها المجلس الإسلامي العلوي الأعلى بقيادة الشيخ غزال غزال، رغم التصادم العلني بين خطابه وخطاب رجل الأعمال رامي مخلوف الذي خرج برسالةٍ مطوّلة بعد مظاهرات العلويين، مشكّكاً في دوافع الحراك وتوقيته، وأيضاً المجلس السياسي لوسط وغربي سورية، رغم ما شهده من انقسامات وتجاذبات كبيرة. ولتعزيز شرعيته، اعتمد محاربة الأسماء المتصدّرة واجهة المجالس المعروفة سابقاً بدعمها النظام البائد، التي تخوض في "الممنوع" الذي لطالما تجنّبه العلويون، عبر إعادة إنتاج وصايةٍ جديدة، تكون شكلاً من أشكال الاستثمار الأسدي المُحدَّث، وفرض سلطةٍ دينية على بيئةٍ جلّها علمانية لا تقبل أصلاً بوصاية رجال الدين عليها.

نافل القول، يبرز واقعُ تهميش العلويين اليوم، ليس بوصفه مجرّد تشنّج ديني فقط، بل مجموعة من الذهنيات الدفاعية لإعادة التموضع "السُّني"، كاشفاً استعصاءً مجتمعياً عميقاً في ساحةٍ باتت مسرحاً لصراعِ نفوذٍ علوي مستتر يوازي في حدّته وخطورته الصراع مع السلطة نفسها. يحاولون التطهّر من وصم "فلول". إذ، بعدما حوّلهم نظام الأسد درعاً بشرية لحمايته، وضعهم في التباس شائك مع الجميع: هل هم الجلّادون أم هم الضحايا؟!