السودان .. وهم تشارك السلطة

السودان .. وهم تشارك السلطة

30 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

إذا كان من شيءٍ يجب زرعه في رأسنا عميقاً، وعدم تجاهله في أي لحظة تاريخية، فهو الانتهاء من الأوهام المرتبطة بإمكانية تشارك السلطة بين المدنيين والعسكر. إما أن يحكم واحدهما الآخر أو تكون خراباً. لا يتعلق الأمر بتفاوت شخصيات الطرفين، مع أنه يحلو لبعضٍ عاقدي المقارنات الشخصية والعملية، القول إن "العسكر مولود في الخنادق والسياسيين مصنوعون في الفنادق"، للإيحاء بأن العسكر أشخاصٌ شفّافون ولا غبار عليهم، فيما المدنيون، جميع المدنيين، فاسدون، ولا يستحقون أن يستمروا دقيقة في السلطة. مسألة تشارك العسكر والمدنيين السلطة في كل شيء لن تسمح للمدني باقتراح رأيه حتى. سقف المدني في أي سلطة، مع العسكر أو من دونهم عدا حالاتٍ استثنائيةٍ كلبنان، هو القضاء، بينما يكفي للعسكري حمل بندقيته فيقطع الطرقات، فارضاً رأيه بالتلويح بإطلاق رصاصةٍ عشوائية.

في السودان، أظهر نموذج التشارك أن العسكر لم يقيموا وزناً لأي سلطةٍ مدنية. الأمر شبيه بقانون الغاب. يتفق الأسد على حكم الغابة مع الثور مثلاً، قبل أن ينقضّ عليه بعد فترة بحجّة جوعه. لم يأكل الأسد فريسته إلا لاقتناعه أنها وثقت به، وأن في وسعه غدرها. العسكر في السودان فعلوا ما أرادوا فعله منذ إطاحة عمر البشير. انتظروا فرصهم، الواحدة تلو الأخرى. وفي لحظةٍ، يمكن اعتبارها مفصلية، خطفوا السلطة بسهولة، مدركين أن المدنيين لا يملكون السلاح، وغير قادرين على مواجهتهم. وهو مبدأ مرعب، لا في السودان فحسب، بل في العالم أجمع: كل من يحمل السلاح قادر على القيام بانقلابه، كانت قضيته سامية أم لم تكن.

مشكلة العسكر في كل مكان أنهم ينطلقون دائماً من منطق "فائض القوة". ينظرون باستحقار واستعلاء إلى كل من لا يحمل السلاح، أو يعدّونه ضعيفاً، مثلما ينظر رجل مفتول العضلات في نادٍ رياضي إلى فتى صغير البنية وافدٍ إلى النادي. والعسكر لا يعني "الجيش الوطني" في كل بلد فحسب، بل يعني أيضاً كل مجموعة تحمل السلاح، سواء كانت مليشيا أو كشّافة أو جمعية خيرية. أما القضايا التي يرفعها العسكريون في كل انقلاب، فإنها ليست سوى حجّة لتبرير الانقلاب، ولكسب الناس من جهة أخرى. لكن في الواقع، لم تتمكّن غالبية الانقلابات في مختلف الدول، وفي مختلف الحقبات،من تلبية الحد الأدنى من متطلبات الناس، وإلا لما استمرت الانقلابات، وستستمرّ غداً.

لا يأتي العسكر لتخليص الناس. هذا حتمي. العسكر الآتي بانقلاب ينتقم من ماضٍ كان مقموعاً فيه بسبب التدريب العسكري. نفّذ ثم اعترض. خالف فتُعَاقَب. لا يمكنك الحديث إلا متى سُئلت. الاستيقاظ والنوم والطعام والتدريبات تجري في أوقاتٍ منتظمةٍ وفق روتين محدّد، لا يمنح حرية التفكير. إذاً، ما الذي يحصل هنا؟ العسكري الذي دخل إلى الجيش شابّاً، وعانى من كل حالات القمع النفسية، يصل إلى السلطة مستعدّاً للانتقام عبر استخدامه القوة. هنا، هل يظنّ أحد أن العسكري الذي خضع لديكتاتوريةٍ، مجبولة بعقيدة عسكرية طوال سني شبابه، مستعدّ للإصغاء إلى الاخر، وفقاً لديمقراطية الحكم؟ أي عسكري مخضرم سيضحك في سرّه حين تُطرح مثل هذه المعادلة.

في المقابل، يتصرّف المدنيون دائماً بأنهم "الحلقة الأضعف" في أي نظام. لو كانوا واثقين من الدعم الشعبي لهم، سيكون في وسعهم حكم العالم، ولو من دون سلاح. الأهم ألا تتصرّف أمام العسكر وكأنك في حاجةٍ لحمايته أو تخشاه، بل عليك الوقوف ندّاً أمامه، وتكون قادراً على تقديم التضحيات في سبيل منعه من التفرّد بالحكم. كما أنه لا يمكنك التصرّف وكأن السلطة صندوقٌ من المال، تنهبه وقتما تشاء، فيُصبح من السهل على العسكر إقناع الناس بإطاحتك. لا يمكن الحكم في أي مكانٍ بحريّة، ما لم يعد العسكر إلى الثكنات.