السودان: الرهان باقٍ على الشارع

السودان: الرهان باقٍ على الشارع

31 ديسمبر 2021

حشد من السودانيين يتظاهرون في الخرطوم ضد السلطة (19/12/2021/الأناضول)

+ الخط -

يمتلك المحتجون السودانيون سياسة النفس الطويل في مواجهة انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتداعياته. بالنسبة إليهم، الهدف واضح، لا بد من إسقاط الانقلاب، وما ترتب عليه، تحديداً اتفاق قائده عبد الفتاح البرهان مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

الخروج الأسبوعي إلى الشوارع، على الرغم من التضييق الأمني، يُحسب لهم. يمكن تلمّس مدى إرباك العسكر وضيقهم بسبب العجز عن إنهاء الاحتجاجات من خلال التدابير التي تسبق كل تظاهرة والتي ترافقها، فلا قطع الإنترنت، ولا إغلاق الجسور، ولا الاعتقالات العشوائية أثمرت. حتى أن سلاح الاغتصاب الموروث من زمن نظام عمر البشير، والذي استخدم في تظاهرات 19 ديسمبر/كانون الأول الحالي، على فظاعته، لم يحقّق الغاية المرجوة منه للعسكر، عبر إجبار النساء السودانيات على الانكفاء من الشارع.

عملياً، يخوض العسكر معركة خاسرة مع المحتجين، فأدوات الترهيب بلا مفعول. وبالنسبة للمتظاهرين، فإنهم يدركون خطورة الوضع ومدى اتساع القمع الذي يمكن أن تلجأ إليه الأجهزة الأمنية والعسكرية، خصوصاً أن المجزرة أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم لم تُنسَ بعد.

وما القرار الأحدث بتوسيع صلاحيات جهاز المخابرات وباقي الأجهزة الأمنية والدعم السريع، تحديداً تلك المرتبطة بالاعتقال والتفتيش، عبر اتخاذ حالة الطوارئ مبرراً لذلك، سوى دليل على مدى ضيق الخيارات المتبقية لدى العسكر، وما قد يقدمون عليه في المرحلة المقبلة.

ومع ذلك، يتمسّك المحتجون بنضالهم، غير آبهين بمخططات العسكر ولا القوى السياسية. التباعد بين السودانيين في الشارع والفاعلين في المشهد السياسي واضح ويتسع. منذ اللحظة الأولى للانقلاب، أدرك المحتجّون خطورة المرحلة، وكان الشارع خيارهم للتصدي.

شكل اتفاق البرهان - حمدوك طعنة للسودانيين الذين شاركوا في ثورة ديسمبر 2018 وباقي الاحتجاجات التي تلتها. وفي الوقت الذي كان المحتجّون يضغطون لإجبار العسكر على تقديم التنازلات للخروج من مأزق الانقلاب، جاء اتفاق 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ليقدّم للبرهان ومن معه طوق النجاة لو مرحلياً. ولذلك لم يكن مستغرباً أن الضغط الشعبي اليوم لم يعد مقتصراً على العسكر، بل يطاول حمدوك مباشرة، فالأخير غير قادر على تسويق اتفاق 21 نوفمبر، لا سياسياً ولا شعبياً. تحالف قوى الحرية والتغيير الذي ألغى البرهان كل ما يمت له بصلة من الوثيقة الدستورية، يريد حمدوك إشراكه في الحكم من جديد في مرحلة ما بعد الانقلاب، ولكن من دون الإقرار بالشراكة التي قامت على أساسها المرحلة الانتقالية، وبشكل آخر يعرض عليه المشاركة تحت جناح العسكر. لكن التحالف غير قادر على ملاقاة حمدوك، أو تقديم موقف حاسم بشأن ما يريده، خصوصاً أنه كان منقسماً على نفسه قبل الانقلاب، وبقي كذلك بعده. كما أن التباينات قائمة بينه وبين باقي القوى السياسية، سواء التي تملك موقفاً واضحاً في معارضة اتفاق نوفمبر أو تأييده.

وأمام هذا العجز، اختار حمدوك التلويح بالاستقالة. الهدف منها بدا واضحاً منذ اليوم الأول، الضغط على القوى السياسية قبل العسكر، لكن حتى ورقة الابتزاز هذه ارتدّت عليه سلباً، إذ لم تثمر عن أي تحوّل في المواقف. وبغض النظر عمّا إذا كان حمدوك سيقدّم استقالته أم سينزل عن الشجرة، بمفرده أو عبر مساعدة تحفظ له ماء الوجه، فإنه أصبح ورقة شبه محروقة.

وإذا ما أخذ بعين الاعتبار وضعه إلى جانب واقع المعارضة السودانية، فإن الرهان الوحيد اليوم على إسقاط الانقلاب مرتبط بالشارع ومدى القدرة على الصمود، وبزخم متصاعد في وجه ما يعدّ له العسكر للمرحلة المقبلة.