السلطة لعبة "روليت" روسية في لبنان

السلطة لعبة "روليت" روسية في لبنان

24 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

تبحث من صيدلية إلى أخرى عن الدواء الذي لا تجده، وتقف في الطابور منذ الصباح الباكر ساعات، لكي تحظى بتزويد سيارتك ليس أكثر من نصف صفيحة من البنزين الذي تضاعف سعره ثلاث مرّات، ثم تمر على الحانوت لشراء بعض الحاجيات، واذ بلغ سعر كيلو اللحم 175 ألف ليرة أي بزيادة عشر مرات عما كان عليه قبل نحو سنة ونصف؟! وحين تعود إلى المنزل، تضطر معظم الأوقات الى الصعود عبر درج المبنى، لانقطاع التيار الكهربائي الذي يطاوله تقنين حاد يفوق أضعاف ساعات التغذية. عندها لا إمكانية حتى للعمل من المنزل فتستسلم لمصيرك، وتجلس غاضبا حائرا ويائسا، كمن يبحث عن عقله! إلا أن ذلك كله لا يحرّك ضمير سلطة وقحة وفاجرة تدير البلد والدولة بعقلية ماكيافلية، أين منها عقلية وأسلوب رجال الأعمال الذين يبقون حريصين، أقله على سير عمل شركاتهم ومؤسساتهم. فهذا رئيس الجمهورية المتعطش للسلطة أعلن أن همه توفير أجواء مريحة للسياح الذين يدخلون معهم الدولار إلى السوق اللبنانية، فيما السلطة التي هو شريك أساسي فيها نهبت ودائع اللبنانيين بالدولار في المصارف، وهرّبت ملايين لا بل مليارات الدولارات إلى الخارج، فور اندلاع الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019. كما أن همه الاستئثار بالسلطة عبر الإتيان برئيس حكومة أمرك سيدنا يؤمن له التحكّم بقرار السلطة التنفيذية التي ستشرف، في السنة الأخيرة المتبقية من ولايته، على تنظيم الانتخابات البرلمانية، بهدف الحصول على أكثرية نيابية يضمن من خلالها إيصال خلف له، يفضل أن يكون صهره جبران باسيل الذي نصّبه خليفة له في رئاسة تياره السياسي، التيار الوطني الحر، ناسيا أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، وليس ملكية وراثية أو ديكتاتورية عسكرية. وهو في هذا السلوك يوهم المسيحيين بأنه يستعيد لهم حقوقهم المهضومة في الدولة، وصلاحيات رئيس الجمهورية (أي صلاحياته) الذي يجب أن ينتمي عرفا، وليس بحسب الدستور، إلى الطائفة المسيحية المارونية. أما إذا كان المسيحيون الذين يدّعي الدفاع عن حقوقهم جائعين، أو لا يجدون دواء لمرضاهم أو لا يجدون بنزين للذهاب إلى أعمالهم أو كهرباء في منازلهم، أو حتى ما يقتاتون به، فهذا كله لا يدخل في اهتماماته، ولا يدفعه إلى خوض حملة على التجار والسماسرة الذين يجدون في هذه الأزمة الخانقة فرصة للمتاجرة في كل شيء، حتى في ربطة الخبز التي تضاعف سعرها أخيرا. فقد تجاوزت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر ال 50%، وهؤلاء التجار والسماسرة تابعون إلى مختلف أركان السلطة أو أقله مغطّون منها، سواء فيما يخص مشكلة الكهرباء والنقص في الطاقة والمحروقات (وزارة الطاقة)، أو في مجال السلع والمواد الغذائية (وزارة الاقتصاد)، أو الدعم الذي يلقونه من وزارة المالية. وهذه الوزارات موزعة بين تيار عون وحزب الله وحركة أمل التي يتزعمها نبيه برّي. والاستنزاف مستمر مع البنك المركزي الذي غطّى موبقات أركان السلطة، وفصل لهم كل الهندسات المالية التي أرادوا طيلة السنين الماضية، إلى درجة أنه مكّن حاشية عون من تأسيس مصرف خاص ("سيدروس بنك")، وها هم اليوم يبتزّون حاكم المصرف، لاستعمال ما تبقى من احتياط إلزامي وإفلاس الدولة. وهذا وزير الصحة، بدل أن يعالج مشكلة تأمين الدواء وضبط الأسعار يقرّر فتح باب الاستيراد لتجار جدد، بهدف إدخال أدوية إيرانية إلى الأسواق اللبنانية من دون المرور بالهيئات المشرفة على معايير الجودة والسلامة، بحجة التسريع في توفير الدواء واختزال المعاملات البيروقراطية، ناهيك عن أن لبنان قد يخضع لعقوبات، في حال فتح باب استيراد أي بضاعة من إيران. وهذه اللعبة سبق وحاول أن يلعبها الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله الذي وعد أكثر من مرة اللبنانيين بأنه سيجلب البنزين والمحروقات من إيران للتعويض عن النقص الحاد الحاصل في الأسواق، ولكنه في كل مرة تقف له واشنطن في المرصاد رافعةً بوجه لبنان سوط العقوبات. علما أن النقص القوي في البنزين يعود، بشكل أساسي، إلى تهريب عملاء السلطة وسماسرتها، وفي مقدمهم حزب الله نفسه، البنزين والمازوت والدولار إلى سورية، فقد صرف البنك المركزي هذه السنة التي ما زالت في منتصفها ضعف ما صرفه في السنة الماضية على المحروقات، كونها مادة يشملها الدعم الحكومي، وقد بلغ هذا المبلغ سبعة مليارات دولار.

قرر نصرالله أن يربّح هذه الجولة لعون، حليفه الأهم، لأن موعد تأليف الحكومة لم يحن بعد

أما سعد الحريري فقد تخندق في موقع تكليفه تشكيل الحكومة، وراح يشد كباشا مع رئيس الجمهورية، من دون أن يتمكن من تحديد وجهة سياسية لهذه المواجهة، ولا مشروعا ينتج حوله دعما وتاييدا، لا في الداخل ولا في الخارج، حيث بدا معزولا. كان همه فقط العودة إلى السلطة، إلى رئاسة الحكومة، مرتكزا على تبنّي "الثنائي الشيعي" (حركة أمل وحزب الله)، وإذ به يتحوّل، مع الوقت، إلى أسير لهذا التبنّي، ظانا أن في وسعه التمترس به في وجه عون. ولكن مايسترو اللعبة هو حزب الله الذي يدعم الطرفين، عون والحريري، ويستعملهما، في الوقت نفسه، الواحد ضد الآخر. وهذا ما حصل الأسبوع الماضي، عندما اضطر الحريري للاعتذار، بعدما أضاع نحو تسعة أشهر من التكليف، إذ قرر نصرالله أن يربّح هذه الجولة لعون، حليفه الأهم، لأن موعد تأليف الحكومة لم يحن بعد. فسارع إلى إعطاء الضوء الأخضر لعون من أجل حشر الحريري، ودفعه إلى الاعتذار عن مهمة التكليف، بعدما اكتشف أن الضغط الفرنسي - الاميركي اشتد بشكل قوي، وربما يؤدي إلى إحراج عون، ودفعه إلى القبول بالتشكيلة الحكومية التي عرضها الحريري.

على الرغم من الخلافات والصراعات على السلطة بين شركاء السلطة أنفسهم إلا أنهم متكافلون ومتضامون

وعلى الرغم من الخلافات والصراعات على السلطة بين شركاء السلطة أنفسهم، إلا أنهم متكافلون ومتضامون، ليس فقط في التواطؤ على مصالح اللبنانيين ولقمة عيشهم، وإنما أيضا في التآمر على حياة الناس وأرواحهم. فهذا مجلس النواب، حيث يتمثل كل هولاء الأطراف بدأ لعبة التهرّب من خضوع بعض نوابه إلى التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020 – 204 ضحايا)، وليس هناك من متهم بالوقوف وراء هذه الجريمة الفظيعة، ولا من متهم بتنفيذها. ويؤكد تعاطي السلطة السياسية أنها متورّطة، بشكل أو بآخر، في الجريمة، لأنها تسعى من البداية إلى عرقلة التحقيق، إذ وضعت العوائق أمام المحقق العدلي الأول الذي طلب الاستماع إلى بعض النواب والوزراء السابقين الذين رفضوا، بحجّة تمتعهم بالحصانة النيابية. وعندما انتهت المدّة، كرّر القاضي طلبه، فما كان من بعض النواب، وهم محامون، إلى تقديم طعن بالقاضي، بحجّة أنه صاحب مصلحة، لأن منزله أصيب خلال الانفجار، وبالتالي لم يعد منزّها عن الملف؟! أعفي المحقق الأول، وعين قاضي تحقيق آخر مكانه الذي عمل خلال أربعة أشهر بصمت، ثم خرج مستدعيا النواب أنفسهم والوزراء السابقين أنفسهم، وزاد عليهم نوابا آخرين ومسؤولين كبارا أمنيين، في مقدمهم مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي تحول، في السنوات الأخيرة، إلى جوكر للسلطة على مختلف مشاربها، من مهماتٍ يكلفه بها رئيس الجمهورية إلى أخرى يكلفه بها رئيس الحكومة، ثم وساطات يقوم بها بين أركان السلطة أنفسهم، إلى مهمات في الخارج للتوسط لدى النظام السوري، ثم إلى تحرير رهائن أميركيين في سورية، تليها زيارتان إلى الولايات المتحدة وفرنسا، وكذلك مهمات لاستحصال على النفط من العراق، وغيرها الكثير.. كوّن هذا الرجل له سمعة محترمة بين الأوساط كافة، إلى درجة أنه أصبح مطروحا بديلا لنبيه برّي في رئاسة مجلس النواب، وهو في الحقيقة حصان حزب الله في السلطة في المستقبل القريب، كونه قريبا جدا وموثوقا جدا. ولذلك شكّل استدعاؤه إلى التحقيق ضربة قوية لـ"الثنائي الشيعي"، وخصوصا حزب الله، فانبرى وزير الداخلية الحالي، محمد فهمي، الطامح لرئاسة الحكومة، ليغطي إبراهيم رافضا إعطاء الموافقة للمحقق الذي يحتاح إلى أذنه للتحقيق مع إبراهيم، علما أن ما هو متداول يفيد بأن عباس إبراهيم هو رأس الحربة في عملية تغطية تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ ومن ثم شحنها إلى سورية. وقد تضامنت هيئات مكتب مجلس النواب ورئيسه في رفض رفع الحصانات عن النيابات المطلوبين إلى التحقيق، وقرّروا الهروب إلى الأمام، وسحب البساط من تحت القاضي العدلي، عبر التوقيع على عريضةٍ، تتهم بعض النواب، وتحيلهم إلى محكمة النواب والوزراء الموجودة فقط على الورق، ولكنها عمليا غير مشكلة وغير موجودة؟! فهل تكون الخطوة التالية إطاحة المحقق الثاني على طريق لفلفة القضية؟