السلطة الفلسطينية وسؤال الجدوى

السلطة الفلسطينية وسؤال الجدوى

05 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا يحتاج الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى السؤال عن الجدوى من الخطوات التي يقوم بها باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، فالأساس بالنسبة إليه على ما يبدو هو الخطوة بحد ذاتها، من دون النظر إلى ما يمكن أن تقود إليه من نتائج على الصعيدين، السياسي والاجتماعي. هذا ما حدث معه بعد اللقاء مع وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس، والذي تنصّل منه عملياً رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينت. على الرغم من ذلك، يبدو أن السلطة لا تزال تعوّل على مسار سياسي ما للمضي في وهم "التسوية" وحل الدولتين الذي تنكّرت له الحكومة الإسرائيلية الجديدة. والأنكى أن المضي في هذا الوهم هو الاستراتيجية السياسية التي يسير عليها الرئيس الفلسطيني، قاطعاً الطريق على أي خيار آخر كان من الممكن أن يُتبنّى في ظل هيمنة فكرة "صفقة القرن" ومشاريع إلغاء القضية الفلسطينية التي كانت قائمة في ظل حكم الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، والتي لم تنته كلياً مع وصول سلفه جو بايدن إلى البيت الأبيض.

فالرئيس الفلسطيني عاد إلى قطع الطريق على مسار إنهاء الانقسام الذي كان يسير بطريقة معقولة خلال الفترة الماضية مع تفاهم الحد الأدنى على الملفات الخلافية. وها هو اليوم، قبل القمة الثلاثية التي جمعته بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبدالله الثاني، يعود إلى نغمة الحديث عن اعتراف حركة حماس بالاتفاقات الدولية، وتحديداً تلك الموقعة بين منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي، كشرط لقبولها دولياً، ما يعني قبول "حماس" أيضاً بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية. مثل هذا الحديث يعني نهاية المسار الموازي الذي كان من الممكن أن يكون ردّاً فلسطينياً على التعنت الإسرائيلي واللامبالاة الأميركية في مسار التسوية الفلسطينية وحل الدولتين.

وعلى الرغم من أن هذا التعنت واللامبالاة واضحان سياسياً، إلا أن مجرّد عودة الحديث عن القضية الفلسطينية، ولو نسبياً، في أروقة السياسة الأميركية كان كفيلاً بأن يدفع أبو مازن إلى إعادة التعويل على مسار حل الدولتين، والذي سبق أن أقرّ بينت بنهايته. ولأجل ذلك، سعى إلى عقد القمم، والتشديد على التنسيق الأمني، حتى أنه، وفي سابقة هي الثانية، أبرق معزّياً بقنّاص إسرائيلي قتله أحد المقاومين الفلسطينيين على حدود غزة بعدما كان يصطاد الناشطين الفلسطينيين الذين يتظاهرون يومياً ضد الاحتلال. من غير المفهوم ما هي الجدوى من هذه التعزية التي لم تزد عباس إلا بغضاً بين صفوف الفلسطينيين في الداخل والخارج، وحتى الناشطين الدوليين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية.

لكن هذا لم يمنع أبو مازن من المضي في مساره التنازلي، وخصوصاً بعد لقاء غانتس والاتفاق معه على زيادة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، فالرئيس الفلسطيني دائماً ما يعمل على تحسين صورته خارجياً باعتباره "رمزاً للسلام"، حتى أنه لا يبالي إذا ما ظهر وكأنه نقيض لفكرة القضية الفلسطينية وكفاحها التحرّري. لكن المشكلة أن لا أحد يأبه بهذه الصورة التي يريد أبو مازن إظهارها، ولا أحد يبدي استعداداً لتقديم مقابل لهذه الصورة التي يريد ترويجها. المقابل الوحيد الذي من الممكن أن يحصل عليه، وقد حصل عليه فعلياً، تأكيد كونه رئيساً لا يمثل ما ترمز إليه القضية الفلسطينية عموماً، بل يشوّهها داخلياً وخارجياً.

لكن السنوات الماضية الكثيرة التي انتهج فيها أبو مازن هذا السلوك لم تدفعه إلى الاقتناع بعدم الجدوى الذي يتأتى منه، بل على العكس، فقد كان دائماً ما يتمسّك بأوهام التسوية السياسية التي يراهن عليها. وها هو اليوم يعيد الكرّة للمرة الألف، وهو يعلم علم اليقين أن اللاجدوى من سلوكه لن يتغير.