السلطة الفلسطينية: إعلان استسلام

20 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يصعب فهم قرارات السلطة الفلسطينية في اليومين الماضيين. لماذا هذه المسارعة إلى تقديم هديةٍ مجانيةٍ للولايات المتحدة وإسرائيل وإعلان إعادة التنسيق الأمني (وإنْ كان لم يتوقف فعلياً وبقي قائماً بحده الأدنى تحت الطاولة)؟ ألم يكن في وسعها الانتظار أكثر، أن تفاوض لتحصل ولو على منجز/ اختراق واحد، حتى لو جاء من أميركا وليس من إسرائيل، ليكون بمثابة عذر يحفظ ماء وجهها قبل الإعلان عن قرارها؟
صحيحٌ أن الجزء الأكبر من صفقة القرن التي رعاها دونالد ترامب تم تطبيقه على الأرض، ولم يعد من الممكن العودة عنه. وصحيحٌ أيضاً أن جو بايدن صديق لإسرائيل وسيكون من الخبل السياسي توقع أن يفضّل السلطة على حساب دولة الاحتلال، أو أن يلجأ إلى الضغط على الأخيرة على نحو غير مسبوق. ولكن ألم يكن من المتاح الانتظار بضعة أشهر بعد، حتى وصول بايدن إلى البيت الأبيض، وترتيب أوراقه وانتظار ما قد يقدّمه، على الأقل في ملف الاستيطان الذي يسرّعه الاحتلال، أو في ما يتعلق بفتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن مجدداً أو إعادة العمل بالقنصلية الأميركية في القدس الشرقية.
كشفت السلطة أوراقها جميعاً. استندت إلى "ورقة تافهة" وصلت إليها من منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، على حد وصف القيادي الفتحاوي، حاتم عبد القادر، لتهرول نحو إعادة العلاقات. أطاحت عملياً المصالحة الفلسطينية بعد مواقف الفصائل الغاضبة، والتي رأت، عن حق هذه المرة، أنها تلقت طعنة غير متوقعة، بعدما تم اتخاذ هذا القرار من دون إطلاعها عليه.
وإذا صدق ما سرّبته الصحافة الإسرائيلية عن استعداد السلطة لتعديل قانون دفع رواتب الأسرى وأسر الشهداء، فإنها تكون قد جرّدت نفسها من أي ورقةِ مساومةٍ حتى، لتتبخّر بخطوتها هذه جميع الوعود الرنانة بعدم الرضوخ لسياسة الابتزاز في ما يتعلق بأموال المقاصة.
خطوة السلطة هي فعلياً إعلان استسلام أمام مختلف الضغوط التي تعرّضت لها طوال عهد ترامب، خصوصاً بعد أن اقترنت بضغوط عربية غير مسبوقة، ووضعها تحت الأمر الواقع من خلال اتفاقات التطبيع التي تقودها الإمارات، وقطع الدعم الاقتصادي عنها، حتى باتت عاجزة عن دفع كامل رواتب الموظفين طوال الأشهر الماضية، ما يهدّدها عملياً بالانهيار. سقوط ترامب، ومجيء بايدن، شكّل الفرصة التي تنتظرها لا أكثر لإعلان استسلامها لكل الابتزاز الذي تعرّضت له. وهو أيضاً إقرارٌ بأن الانهيار قد يكون وشيكا. وبينه وبين العودة إلى التنسيق العلني وتلقي أموال المقاصة وتسيير أمور السلطة، الخيار الثاني أقل مرارة من الأول، أو الأكثر مناسبة لحسابات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشكل أدق. وما دام قرار الرضوخ قد اتخذ، لا ضير أن تُضاف إليه إعادة سفيري فلسطين إلى البحرين والإمارات، بعد سحبهما عقب إعلان البلدين الانتقال من مرحلة العلاقات السرية والمحدودة مع الاحتلال إلى مرحلة التحالف العلني لا فقط التطبيع، فالسلطة باتت مقتنعة بأن لا أحد يكترث لموقفها وأضراره أكثر من منافعه عليها.
تقول السلطة عملياً إنه لا حول ولا قوة لها أمام كل ما جرى وما سيأتي في مقبل الأيام، فهي إن تخلصت من ترامب فلن تتخلص لا من إسرائيل، ولا من حلفاء إسرائيل العرب الذين يتكاثر عددهم على نحو متسارع. والمشكلة في أن قدرتها على تحمّل الوضع الحالي قد وصلت إلى نهايتها مهما كانت الأثمان على الصعيد الفلسطيني الداخلي، فما نفع البيانات العربية التي تصرّ على حق الفلسطينيين بإقامة دولتهم، إن لم تقترن بأفعال ودعم مالي وليس فقط سياسياً؟