السلطة إذ توحّد الفلسطينيين ضدها

السلطة إذ توحّد الفلسطينيين ضدها

29 اغسطس 2021
الصورة

(محمد عمران)

+ الخط -

شهدت رام الله، أخيراً، حملة اعتقالات جديدة مشينة وغير مفهومة، طاولت مثقفين وأكاديميين ونشطاء، غالبيتهم ممن أمضوا حياتهم في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، لمشاركتهم في مسيرة تطالب بالقصاص من مرتكبي جريمة قتل نزار بنات من المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية. صحيحٌ أن التوقيفات لم تدم أكثر من أيام (أو ساعات في أحدها)، لكنها قطعاً غير مشروعة، تعمّدت إهانة المحتجزين وفرض الخنوع على منتقدي السلطة الفلسطينية.
النتيجة عكسية، فالسلطة في سياساتها وانتهاكاتها الأمنية تستفز شرائح صامتة، بل مؤيدة لها، وتعزل نفسها عن الجميع، فيما عدا الدوائر التي لا تتصرف قيادتها كحاكم مستبد فحسب، بل تساهم أيضاً في تدمير حركة فتح، وتستغل شباباً انضموا إلى الأجهزة الأمنية لتكون وظائفهم فيها مصدر أرزاقهم، وتحوّلهم جلادين لرفاقهم وللشعب الفلسطيني. المحزن أنّ في قوات الأمن أسرى سابقين، تحرّر بعضهم قبل أشهر أو عام، وبعض منهم أصيب بجروح في مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، تحت شعار الدفاع عن السلطة وحركة فتح والمشروع الوطني الفلسطيني.
المشهد سوريالي مرعب في معانيه وتداعياته، إذ يُقمَع حماة المشروع الوطني الفلسطيني ويُوقَفون ويُسجَنون ويُعتدى عليهم من شباب وشابات من أجهزة الأمن، وأغلب هؤلاء عناصر في حركة فتح، يتعاملون بقسوة مع من شاركوهم تجربة الأسر وكانوا معهم في صفوف المقاومة الشعبية في عدة مناطق فلسطينية، رفضاً لمصادرة الأراضي وتهديم البيوت وتهجير أهلها. والحديث هنا ليس عن ماضٍ لأفراد الأجهزة الأمنية، بل عن حاضرهم، وهذا ما يجعل الاعتقال أكثر إيلاماً على الموقوفين أنفسهم، فيما تعتقد القيادة أنها تحقق انتصاراتٍ وهمية.

لا تستطيع السلطة الفلسطينية الهروب من مسؤوليتها في جريمة قتل نزار بنات، على الرغم من أن المجتمع الفلسطيني يعطيها الفرصة تلو الأخرى

ما نراه الآن تعميق للشق العمودي وزيادة في تفتيت المجتمع الفلسطيني، فمسألة الأجهزة الأمنية تحت الاحتلال تجعل كل فردٍ بل كل ناقد مشروع شهيداً أو شهيدة. يقال إن الثورة تأكل أولادها، في هذه الحالة من صادر الثورة يجعل النظام القائم يدمّر أبناء الثورة، موالين ومعارضين، فتحويل أفراد الأجهزة إلى أدوت تحصين للقيادات المتنفذة جريمة بحقهم، وليس بحق ضحايا القمع والتنكيل. وفي حال نزار بنات، التعذيب الهمجي حتى القتل، فكيف كان ممكناً ضربه بآلة حديدية على رأسه، لمن هذا الانتقام وممّن؟ من أين جاء الغضب الكامن في نفوس معذبيه، وهم ليسوا أكثر من أدوات، قد يكون بينهم شقيق شهيد أو أسير، لمصلحة شخصية تافهة جرح نزار كبرياءها الجوفاء.
لا تستطيع السلطة الفلسطينية الهروب من مسؤوليتها في جريمة قتل نزار بنات، على الرغم من أن المجتمع الفلسطيني يعطيها الفرصة تلو الأخرى، ربما لأن هناك خوفاً من تداعيات سقوطها وعودة الاحتلال الإسرائيلي المباشر، ربما لأن هناك شعوراً بحالة أسر جمعية، فمن سيدعم الشعب الفلسطيني، حين تكون الدول العربية كلها مكبّلة، والشعوب ترزح تحت ثقل انهيارات اقتصادية واستبداد مرئي وغير مرئي ونُظُم مطبعة وذليلة تنفر من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. لذا نرى مسيرات سلمية ومطالبات حقوقية، لأن في ذهن كل فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أن أي انتفاضة ضد السلطة ليست مضمونة النتائج الطيبة، حتى حركة حماس التي لم تقصّر في كبح الحريات، وفي اللجوء إلى الاعتقالات والتعذيب، لا تشجع عليها، وربما التردد من الانتفاضة ضد كليهما هو الخوف من حرب أهلية.

هبّة أيار الماضي، وإن خفتت في اشتعالها، كانت ميداناً لتفاعل جماهيري، بدأت بصقل خبرات جيل جديد

الحقيقة أنّ الشعب الفلسطيني أنضج بكثير من قيادة مترهلة أصبحت ترى في استمرار اتفاقيات أوسلو، المنتهية أصلاً، ضماناً لاستمرارها، ولا تأبه بتبعات انتهاكاتها واستهتارها. ولكن على السلطة ألّا تستكين لما تعتقد أنه غياب خيارات أخرى للشعب الفلسطيني، إذ إنها تدفع الوضع إلى الانفجار، خصوصاً أن ما نراه، أن قيادات فلسطينية قديمة وشابة، وعابرة للأجيال تتجاوزها، فمشهد رام الله ليلة الاعتقالات على بشاعته كان جميلاً في وحدة مثقفين ومناضلين، قدامى وشباب، يفرض نفسه جسماً فاعلاً على الأرض قيادة لا محال توقيفها. مشهد التوقيف في شهر أغسطس/ آب الحالي، تكرار لمشهد ليلة اتحد "العائدون" (كما يسمى كل من عاد مع المنظمة بعد "أوسلو") و"المحليون"، ووحد أطر المنظمة التي أخفتها السلطة، وبزغت حقيقة انبعاث قيادات شابة مدعومة من أجيال من ناضلوا في كل مراحل الثورة الفلسطينية.
الشواهد عديدة على أن الفلسطيني على أرضه بدأ يأخذ زمام أمور إنشاء قيادات جديدة. فهبّة أيار الماضي، وإن خفتت في اشتعالها، كانت ميداناً لتفاعل جماهيري، بدأت بصقل خبرات جيل جديد، منهم من تخرّج من جامعات عالمية، ومنهم من أظهر إبداعاً في التفكير والتعبير، ووعياً بالقانون الدولي والحقوق، متمسكاً بالرواية الفلسطينية والفكر التحرّري. فهناك قيادات تتشكل على أرض فلسطين وداخلها، لكن ثقل الداخل يبقى في هذه المرحلة أساس تشكيل نواة لتأطير العمل الفلسطيني.
قد لا تعي السلطة أو لا تعترف بأنّ إصرارها على مواجهة مثقفين وأكاديميين ومناضلين ونقابيين من كل الأجيال سيدفع في تسريع بروز قيادة قادرة على تحدّي الاحتلال ورفض خنوع السلطة، بل تحدّيه، فالمقاومة بكل أشكالها هي مصدر الشرعية. ولكن يبدو أن السلطة انتعشت باهتمام إدارة الرئيس بايدن، الحريص على بقائها، بغرض ضبط الشعب الفلسطيني، فأصبحت أكثر صفاقةً بتحدي الشعب الفلسطيني. ولكن من غير المفهوم على من تتكبّر السلطة وتزداد وقاحتها؟ تخدع نفسها بالأوهام تبريراً للإمعان في تجاوزاتها بأنها تشعر بانتهاء مدّتها، فتزداد شراسة ضد من خدم في صفوفها؟

ما ثبت ويثبت يومياً، أن صبر الفلسطيني على السلطة مردّه أن الشعب الفلسطيني لا يريد اقتتالاً داخلياً يخدم الاحتلال الصهيوني

عودة إلى وعي الشعب الفلسطيني، فإنّه لم يهتف أي من المعتقلين بسقوط السلطة، ليس خوفاً منها، ولا خوفاً على امتيازات، وإنما واقع الاحتلال يفرض التفكير بتروٍّ. وذلك يستدعي الإسراع في تأسيس جبهة عريضة لها جذور شعبية، وهذا لم يتحقق، لكن التطورات منذ هبّة أيار تجعله قابلاً للتحقيق، والخشية أن تضيع الفرصة، ولا يمكن أن يكون هناك تراكم للتجربة، أو تحقيق تراكمية نضالية من دون تأطيرها في جبهة وطنية، لا تطرح نفسها بديلاً من منظمة التحرير الفلسطينية، بل تنبئ بوعي جديد، تنبثق منها قيادة جديدة للمنظمة، الأمر الذي يتطلب توسيع التفاعل مع فلسطينيي الخارج والفعاليات المشتركة على شكل ندوات، بل على شكل عصف ذهنية التفكير بشكل مؤسّسي، لمواجهة مرحلة تسارع شرسة للمشروع الصهيوني.
ما ثبت ويثبت يومياً، أن صبر الفلسطيني على السلطة مردّه أن الشعب الفلسطيني لا يريد اقتتالاً داخلياً يخدم الاحتلال الصهيوني، لكنه قادر على الرد، والرد جاء سلمياً وفورياً، لكنه ذو مغزى كبير. ففي أول انتخابات بعد الاعتقالات، فازت ناديا حبش، التي كانت ضمن المعتقلين المفرج عنهم، في مسيرة 5 يوليو/ تموز، بمنصب نقيب المهندسين الفلسطينيين، في رسالة واضحة إلى قيادة السلطة، بأن الشعب الفلسطيني بدأ بفرز قادة جدد، وتستحق السلطة الشكر على ذلك، فهذه ليست سوى البداية.