السفير فريدمان والتأريخ الظالم

06 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يُبشّرنا السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، بأحداثٍ سوف تغير وجه الشرق الأوسط لمائة عام مقبلة، إذا فاز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. لا نتمنى فوز ترامب، ومسامحون للسفير فريدمان بما يعدنا به من تغييرات تاريخية، فأربع سنوات ماضية كافية لنعرف كنه التغييرات التي يأتي بها فريدمان ورئيسه. سفير أميركا في إسرائيل، والأحق وصفه بسفير تل أبيب في واشنطن، لا يكتفي بالوعود، بل لا يتوقف عن توجيه التعليمات والأوامر للفلسطينيين، وفي أحدث تقليعاته يقول إن الفلسطينيين يقفون على الجانب الخطأ من التاريخ، لأنهم لا يريدون "الاصطفاف للصعود إلى الطائرة"، حسب تعبيره، يقصد طائرة التطبيع.

لا ندري أي تاريخ يجب على الفلسطيني الوقوف في صفه، بمنطق فريدمان. هل هو التاريخ الذي منحت فيه حكومة صاحبة الجلالة البريطانية ما لا تملك لمن لا يستحق، يوم قطعت في وعد بلفور، الذي تحل هذه الأيام ذكراه المشؤومة، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؟ أم هو التاريخ الذي فرض الانتداب البريطاني على فلسطين بصكٍّ أممي لم يراع أماني الشعب عند اختيار دولة الانتداب، بل ترجم حرفياً أطماع الصهاينة ومخططاتهم لاحتلال فلسطين وإقامة دولة لـ"شعب بلا أرض على أرض بلا شعب"، بحسب الأكذوبة إياها. أم أن السفير يريد وقوف الفلسطينيين إلى جانب تاريخ طلب فيه الرئيس الأميركي هاري ترومان (العام 1945) من الحكومة البريطانية منح يهود النمسا وألمانيا مائة ألف تأشيرة دخول لفلسطين، ناقضاً عهداً قطعه سلفه، فرانكلين روزفلت للملك عبد العزيز آل سعود في فبراير/ شباط 1945، وتعهد فيه بعدم تغيير سياسات الولايات المتحدة تجاه فلسيطن، من دون استشارة مسبقة مع العرب واليهود؟ وهل من الصواب وقوف الفلسطينيين في صف تاريخٍ ضغطت فيه الولايات المتحدة، بوصفها المنتصر في الحرب العالمية الثانية، على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتزعت قرار التقسيم 181 الذي اعترف لليهود بدولة على ما يزيد على نصف مساحة فلسطين؟

في المقابل، ألا يرى السفير فريدمان كيف أن الفلسطيني حاول تصحيح التاريخ الأعوج، قدر الإمكان، ولو كانت كلفة ذلك التنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية؟ ألا يمتلك الجرأة أو الضمير ليعترف للفلسطيني بالصواب، وهو يرضى بمبادلة "الأرض مقابل السلام"، وهي صنيعة أميركية، بينما يُصر مع صديقه بنيامين نتنياهو على "سلام مقابل سلام"، في مغالطة جديدة للتاريخ؟

الواقع أن التاريخ هو من يقف في الجانب الخاطئ منذ وعد بلفور، وليس الفلسطيني الذي حاول تعديل كفّة التاريخ الظالم، ولو على حساب حقوقه التاريخية. والولايات المتحدة هي من يقف في الجانب الظالم من التاريخ، منذ تأييدها قرارات مؤتمر بيلتمور الصهيوني (مايو/ أيار 1942) وما تلاه من دعم أو تواطؤ لكل ما اقترفه المشروع الصهيوني الإحلالي من ظلمٍ أفضى إلى اقتلاع أهل الأرض الأصليين، وتحويلهم إلى طوابير لاجئين ونازحين في المخيمات والمنافي.

من المفيد أن يقرأ السفير كتاب وزير خارجية بلاده الأسبق، جون كيري، "كل يوم إضافة (Every Day Is Extra)، الذي صدر في سبتمبر/ أيلول 2018، وسرد فيه الوقائع التي اصطدم بها كيري لاحقًا أن الجانب الإسرائيلي لا يتوقف عن إيجاد العقبات التي تعيق تقدم المفاوضات، مثل رفض "إسرائيل" الشرط الفلسطيني الأهم، وهو إطلاق سراح السجناء من "عرب 48" المُحتجزين قبل توقيع اتفاقية أوسلو 1993.

وعلى السفير فريدمان، وصديقه الأمير بندر بن سلطان، أمين مجلس الأمن الوطني السعودي السابق، الذي وجه انتقادات قاسية للقيادة الفلسطينية، ووصفهم بالمحامين الفاشلين لقضية عادلة، واتهمهم "بالرهان على الطرف الخسران"، تأمل المعلومات التي أوردها كيري، عن رفض نتنياهو الخطة التي أعدها الجنرال الأميركي جون ألين، وتقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية وحلول قوات أميركية مكانها، مع أحقية الجيش الإسرائيلي بالانتشار خلال ساعات إذا استشعر تهديدًا، لكن نتنياهو أصر على أن "إسرائيل" بحاجةٍ إلى الحفاظ على وجود عسكري طويل الأمد في الضفة الغربية.

وفي رأي كيري، وهو زميل فريدمان في ماكينة الدبلوماسية الأميركية، ليس استمرار "إسرائيل" في عنادها من مصلحة الولايات المتحدة في المنطقة، ويقول كيري إن ما دفع أوباما إلى هذا القرار كان تمرير "إسرائيل" قانونا يسمح بتقنين المستوطنات، بجانب الرئيس المُنتخب آنذاك، دونالد ترامب، شديد المناصرة لـ"إسرائيل". 

يدرك السفير فريدمان، "المعارض اللدود لحل الدولتين، وعاشق بناء المستوطنات"، بتعبير جون كيري في كتابه، أنه وإدارته المنصرفة من يقفون إلى جانب التاريخ الظالم، وما مطالبة الفلسطينيين بالانحياز الى الجانب "الصائب من التاريخ" والالتحاق بالاصطفاف في طابور "الصاعدين إلى طائرات" من ورق، إلا مغالطة إضافية في سجل الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ مائة عام، والتي دأبت على ألا ترى التاريخ، ولا الحاضر، ولا المستقبل إلا بعيون إسرائيلية.