السفر إلى الجبال
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
عُمانيون في رحلة إلى جبال الحجر في وادي بني عوف (1/12/2014 Getty)
انتشرت في الآونة الأخيرة في عُمان، خصوصاً في فترة الصيف الحار، رحلات المشي صعوداً إلى الجبال لاكتشاف ما تخفيه خلفها من مياه وغيرها من عناصر الطبيعة. وتُعرف عُمان بسلاسلها الجبلية المتفاوتة الأحجام، التي يمكن أن تخفي ما يمكن تسميته الجمال القاسي.
يلتقي ثلّة من الرجال والنساء من مختلف الأعمار عند "دوار برج الصحوة"، الذي يُعتبر مفترق طرق يؤدّي إلى مختلف مناطق عُمان، كما توجد فيه محطّات لسيارات الأجرة وحافلات للنقل، إلى جانب حديقة الصحوة، أكبر حديقة عامّة في العاصمة مسقط. يلتقون هناك بعد الاتفاق مع مجموعة من الشباب المتمرّسين في الصعود، مثل الشاب إدريس، وهو من سكّان الجبل الأخضر، لديه شركة سياحية بسيطة يديرها بنفسه مع مساعدين له من أصدقائه أيضاً، ينظّمون رحلات أسبوعية إلى الجبال، وعادة ما تبدأ هذه الرحلات في صباح يوم الجمعة وتنتهي عصراً.
يحملهم في سيّارات رباعية الدفع، معدّة فقط لغرض الاقتراب من قواعد الجبال. وهناك يتركون هذه السيارات ويبدؤون الصعود. يلتحق بإدريس مغامرون من مختلف بلدان العالم، خاصّة من روسيا، وأيضاً بعض المقيمين الغربيين، وبعضهم من مهندسي شركات النفط والمعادن أو من الشباب العُمانيين الذين يرغبون في الاستفادة من أوقات الفراغ في الإجازة الصيفية. قد يحتاج المشي والصعود أحياناً إلى نحو 16 كيلومتراً ذهاباً، ومثلها إياباً.
ولكن، في تلك الرحلة سيكتشف روّادها ما لا يمكن أن يروه في سائر يومهم. فخلف تلك الجبال الصمّاء تكمن حياة متنوّعة تتردّد بين القسوة والجفاف والبرك المائية. فعلى سبيل المثال، يمكنك أن تذهب بالسيارة إلى منطقة وادي بني عوف في الصيف، من دون أن ترى في الطريق قطرة ماء واحدة، ولكنّك ما إن تقرّر الذهاب عبر الطريق الجبلي الشاقّ، معتمداً على قدميك ويديك في التسلّق، وما إن تقطع ثلاثة كيلومترات بين تسلّق ومشي يعقبه تسلّق ومشي، حتّى ينكشف لك عددٌ من البرك المائية بين كلّ خطوة وأخرى.
ستكون هنا بإزاء هدية تأتيك بعد مشقّة، إذ من عادة المتسلّقين أن يستحمّوا بكامل ملابسهم، من دون أن يتخلّوا عن أيّ قطعة منها. فلا وقت إلّا للمشي والتقدّم، ثمّ الرجوع قبل أن يحلّ الغروب. وقد تجهّزوا لمثل هذا الأمر، أمر السباحة بكامل عدّتهم وعتادهم. بعض الأماكن يحتاج تسلّقها إلى الاستعانة بالحبال، ويكون إدريس وفريقه قد أعدّوا العدّة لمثل هذه الحالات، وأرشدوا المنتسبين إلى حملته إلى ما يجب فعله، إذ إنّ بعض الأماكن الشاهقة تصل إلى عشرين متراً وأكثر، ولا بدّ من تسلّقها عند الصعود، ثمّ النزول منها عند الرجوع.
بسبب العطلات الدراسية، يكون الصيف حافزاً للأسر إلى التنقّل والسفر، ومعظمها يقصد محافظة ظفار في الصيف، خصوصاً الذين ليس لديهم ما يكفي من المال للسفر خارج الوطن. فتمتلئ صلالة ونواحيها في أشهر الصيف الثلاثة بالعائلات من مختلف مناطق عُمان، إذ تتميّز ظفار وجبالها في مثل هذا الوقت بالاخضرار، وبالأمطار المتقطّعة، وبالشلالات في بعض مناطقها. سينقلب الحال وكأنّك في حلم، من حرارة شديدة في مسقط إلى طقس جميل أخضر وماطر في صلالة التي تبعد نحو ألف كيلومتر من العاصمة مسقط.
فإلى جانب الرحلات العائلية الجماعية تلك، والإقامة في محافظة ظفار عدّة أيّام، وأحياناً شهراً، هناك أيضاً الرحلات الفردية بين الجبال التي لا بدّ أن تتم بقيادة مرشد سياحي مرخَّص له، ولديه خبرة بمختلف المناطق، ولا بدّ أيضاً من أنّه قد زار مراراً وتكراراً المناطق المقصودة، كما هي حال الشاب إدريس، الذي يعمل في هذا المجال منذ قرابة عشر سنوات.
وفي بعض رحلات الصعود، لا بدّ من توافر أربع قناني ماء في حقيبة كلّ متسلّق، ولن يبدؤوا بشربها إلّا بعد قطع مسافات كافية، وتسلّق أولى الجبال العالية على الأقلّ، مثل الرحلة إلى وادي هاط، وهي رحلة تجمع بين الجفاف والرخاء في ما يتعلّق بتوافر الماء. فبداية الرحلة عطشٌ وحاجةٌ مستمرّةٌ إلى الماء بسبب المجهود الكبير في التسلّق، فلا أحد مستعدٌّ لأن يتبرّع بقطرة من مائه، ولكن ما إن يقطع الفريق مسافةً كافيةً من الصعود والمشي، حتّى تنكشف لهم برك مائية أو جداول جبلية عذبة، وهنا يمكنهم أن يملؤوا قنانيهم الفارغة من جديد عند العودة، لكن هذه المرّة بماء زلال لا تجود به الطبيعة من دون مشقّة.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية