السعادة في شتم المثقّف
(إبراهيم الصلحي)
ليست للمثقّف في الثقافة العربية مكانةٌ واضحةٌ، فالحيُّز العام لم يكن حرّاً في أي يوم في العالم العربي، ولم تُقيَّد السلطات ويُحرَّر البشر في المجتمعات العربية ليجد المثقّف العربي حيّز تأثيره الخاص بعيداً من السلطات ومحاولة إخضاعها لكل فرد في مجتمعها. يعتمد تأثير المثقّف على الهيمنة بالمعنى الثقافي، وليس بمعنى السلطة الفجّة، لكن هذه الهيمنة تحتاج إلى حرّيات شخصية وعامة. رغم عدم وجودها في العالم العربي، فإنها لم تُلغِ المقاومة الهائلة التي أبداها المثقّفون للسلطات التي عارضوها، ودفعوا أثماناً غالية في السجون والمنافي، رغم النقد كلّه الذي يوجّه إليهم.
بالطبع، لم يكن هؤلاء وحدهم المثقّفين في البلدان العربية، فهناك مثقّفو السلطة أيضاً الذين ارتبطوا بها واستفادوا منها، وشكّلوا أبواقاً للدفاع عنها وعن جرائمها. وفي زمن القطبين، هيمنت سرديات كبرى في العالم المنقسم بين عالمَيْن شرقي وغربي. أمّا في المنطقة، فقد انقسمت تلك السرديات بين يسارية وإسلامية اتّخذتْ عند بعض الإسلاميين لبوساً يسارياً.
مع انهيار عالم القطبَيْن، تفكّكت هذه السرديات بوصفها مشاريعَ كبرى، وجرى التفكّك نفسه في العالم العربي. وأمام هذا الفراغ في مشاريع المستقبل، وجدنا أنفسنا في المنطقة المأزومة والمحتقنة أمام ثورات الربيع العربي المُحقَّة، لكنّها جاءت من دون مشاريعَ حقيقةٍ للتغيير، فلم تملك هذه الثورات سرديتها المستقبلية الخاصة في بلدان افتقرت إلى الأحزاب السياسية الحقيقية، بسبب القمع الشرس من السلطات الاستبدادية التي حكمتها. لذلك لم تملك الثورات العربية صوتها، فكنّا أمام ثورات مذهلة غاضبة أطاحت سلطات بدت أنها في غاية القوة، لكنّها يا للأسف، كانت ثورات بلا صوت وبلا مشروع. رغم ذلك، بقي هناك صوت للمثقّف، ولكنّه لم يعد صوتاً عمومياً ناطقاً باسم سردية مستقبلية. صحيح أنه استمرّ في مناقشة القضايا الملّحة، إلا أنه بات صوتاً فردياً في مواجهة مشكلات معقّدة.
يعتمد تأثير المثقّف على الهيمنة بالمعنى الثقافي، وليس بمعنى السلطة الفجّة، لكن هذه الهيمنة تحتاج إلى حريات شخصية وعامة
ظلّ المثقّف العربي (على ضعفه) يُخيف السلطات الهشّة في العالم العربي رغم استبداديتها، وبقيَ يتعرّض لهجمات شرسة وانتقادات وتجريم. وردّاً على ثورات الربيع العربي التي كانت كاشفةً مستوى الرثاثة في الدولة العربية، سُخِّف كل شيء، لا القضايا والمطالب المُحقَّة وحدها، بل حمّل المثقّف مسؤولية الفشل، وكأنّه هو القوة السياسية التي كانت تحكم البلاد.
تسبّبت وسائل التواصل الاجتماعي في مشكلة جديدة للمثقّف العربي، إضافةً إلى المشكلات التي يعاني منها في سياق المجتمع والثقافة العربيَّيْن، فقد أعطت وسيلة التأثير الجديدة الحقّ للجميع في احتلال الفضاء الأزرق، وقول ما يشاء وضدّ من يشاء. وكان نتاج هذه المساواة في الحيّز العام أولاً الوجود فيها على قدر سواء مع المثقّف. ثانياً، وَلَّدت هذه الوسيلة الجديدة عند كثيرين سعادة هائلة في شتم المثقّفين بوصفهم أساس كل بلاء، وغالباً ما يكون هذا نتاج ذباب إلكتروني يعمل لإخراس المثقّفين، بالرغم من تراجع دورهم بفعل وسائل التواصل نفسها.
قبل ولادة وسائل التواصل، كان هناك العديد من الهامشيّين الذين سعوا إلى الصعود في عالم الثقافة بأيّ طريقة. وأعرف شاعراً هامشياً امتهن نقد محمود درويش بشكل قاسٍ لا مبرّر له، وكان يهدف من وراء ذلك (ويتمنى) أن يردّ درويش على مقالاته التي ينشرها في منابر هامشية. وعندما سألته، لماذا تريد ذلك؟ أجاب: إذا ردَّ درويش عليَّ، وأتمنى أن يشتمني، فهو سيحقّق لي الشهرة. كان شاعرنا يعتقد أنه عندما يكتب درويش عنه، فهو يرفعه في عالم الثقافة، ولم يهدف بفعله لإنزال درويش من مكانته، بل حاول الاستعانة بمكانة درويش للارتقاء في عالم الثقافة. طبعاً، لم يردّ درويش عليه، وقد لا يكون قد عرف بما كتب صاحبنا أصلاً. نضج الشاعر الهامشي من دون الحاجة إلى شتيمة درويش.
ليست للمثقف في الثقافة العربية مكانة واضحة، لأن الحيز العام لم يكن حراً في يوم من الأيام
يهدف النقد الجديد للمثقّفين في وسائل التواصل إلى عكس ما أراد شاعرنا الهامشي من نقد قامة مكرّسة ثقافياً مثل محمود درويش، فهذا النقد (الشتائم) يسعى إلى إسقاط المُكرَّسين من عليائهم، لاعتقاد هؤلاء أن المثقّفين يعيشون في برج عاجي، وليسوا جزءاً من مجتمعهم ولا يتحسّسون مشاكله. وهذا النقد لا يكون بنقد أفكارهم وآرائهم، ولا بالردّ عليها بتفكيكها وطرح آراء مختلفة في مواجهتها، بل اكتشف جهابذته وسيلةً أكثر تأثيراً، وهي إلغاء كل نقاش. ليس بالسخرية منهم، بل بشتمهم بشكل مباشر، وبعيداً من أفكارهم وكتابتهم. ولم يبقَ الأمر متعلّقاً بتهم العمالة للعدو، وأن المثقّف مجرّد جاسوس باع وطنه للأعداء، ويقبض المال من هؤلاء من أجل الإساءة إلى وطنه. وهو بالتالي بلا قيّم ولا أخلاق. لا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل أصبحت التُّهم شخصيةً أكثر، كأن يُقال إنه لصٌّ، ومستفيدٌ من الفساد. وفي الحالات الأكثر احتداماً في الخلاف، لا يقف الأمر عند التجريم الشخصي الذي لا دلائل عليه (وهو جريمة يعاقب عليها القانون في البلدان المحترمة)، بل يتجاوز الأمر التشهير الشخصي بالمثّقف، لانتهاك حياة أسرته: زوجته وابنته وأمّه، بأقذر التُّهم اللاأخلاقية، وفي شرفهم. وهذا ما جعل كثير من المثقّفين يغادرون وسائل التواصل بعد إساءاتٍ جارحةٍ تعرّضوا لها.
ما يجري هو عمل حثيث على طرد المثقّفين من الحيّز العام، فعندما يصبح هذا الحيّز بلا ضوابط، والمجتمعات بلا قوانين تحكمها، يصبح كل شيء مباح حتى الجريمة، وإن تخفّت في بوست في وسائل التواصل. فهي اليوم الفاعل السياسي الأخطر، ومن يحتلّونه يتعاملون معه باعتباره أداةَ قمع شرسة ضدّ وجهات النظر المخالفة كلّها، ليس بالردّ عليها، بقدر ما يكون ذلك بالتحوّل من النقاش إلى حفلات الشتم آليةً، ليس لإلغاء وجهة النظر الأخرى، بل لإلغاء الأشخاص أنفسهم. بإلغاء المثقّف، وبالاستمتاع بالسخرية منه وشتمه، يُفرّغ النقاش العام من معناه. إنه الأداة الأكثر فعّاليةً في زمن التفاهة لسحق المعنى، وتحويل المثقّف والثقافة موضةً قديمةً عفا عليها الزمن.