السجون العراقية .. كلاكيت

السجون العراقية .. كلاكيت

28 سبتمبر 2021
الصورة

أيدي سجينيْن عراقيين في إصلاحية الكرخ في بغداد (9/10/2004/فرانس برس)

+ الخط -

لا يبدو أن الكتابة عن السجون العراقية يمكن أن تنتهي عند حدٍّ، طالما أن هناك حكومة عوراء، لا ترى ما يجري من فضائح وانتهاكات يندى لها جبين الإنسانية، فهذه السجون باتت محاضن للموت ومعاقل لتشويه الإنسان، روحا وجسدا، ناهيك عمّا تسبّبه من مآسٍ لذوي أولئك المعتقلين والمطحونين بين رحى النسيان.
يعود الحديث عن السجون العراقية، هذه المرّة، مع قصة أقرب إلى الخيال، جرت وقائعها في مدينة بابل (جنوب العاصمة بغداد). تم الإفراج عن متهم بقتل زوجته وحرقها ورمي بقاياها في النهر، بعد أن تبين أن الزوجة ما زالت على قيد الحياة، وظهرت بعد اختفاء شهر. .. أفرج عن الرجل الذي سبق له أن اعترف بالجريمة بفعل التعذيب، وحُكم عليه بالإعدام، قبل أن يحاول رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، لملمة القضية، باستدعاء الزوج المتهم البريء مع بعض ضباط التحقيق، وكأن ما جرى نادرةٌ لا يمكن أن تحدث.
قديما قيل إن قرارا صدر باعتقال كل الحمير التي في المدينة، فقرّر أرنب أن يفرّ بجلده، وعندما صادفه أحد الحمير ليعرف منه لماذا يفعل هذا وهو ليس حمارا، أجابه الأرنب الفطن: حتى يتأكّدوا من أني أرنب ولست حمارا سوف يعذبونني، وقد يجبروني على الاعتراف بأني حمار. .. والقصة هذه ما زالت تجري في العراق منذ سنوات بعيدة، بل وأخذت مديات أكبر وأشمل، وصار كل عراقي متهماً حتى لو ثبتت براءته، خصوصا إن كان لا ينتمي إلى حزب أو مليشيا، ولا يملك مالا يخرج بقدرته من زنازين الاعتقال الرهيب التي جعلت من حكايا سجون تاريخية، مثل أبو غريب، أضحوكة حيال ما يجري في السجون العراقية.

تفيد إحصائيات وزارة العدل بأن قرابة 50 ألف سجين في مختلف السجون العراقية، بينهم نحو 25 ألف حكم عليهم بالإعدام

لم يلتفت الكاظمي إلى الدعوات التي انطلقت بعد حادثة رجل بابل إلى فتح التحقيق في آلاف الملفات والقضايا التي يرزح أصحابها في سجون العراق على امتداد خريطة الوطن، واكتفى بسجين بابل، وكأن العراق خلا من أمثاله، وكأن حادثته الوحيدة التي عرفها العراق. فيما تفيد إحصائيات وزارة العدل بأن هناك قرابة 50 ألف سجين في مختلف السجون العراقية، بينهم نحو 25 ألف حكم عليهم بالإعدام، من دون أن تخبرنا الوزارة عن إجراءات التقاضي التي مهّدت لحكم كل هذا العدد الكبير بالإعدام.
وإذا ما رغبتَ في تقصّي واقع السجون والسجناء في العراق، يكفي أن تستمع لبعض القضاة ممن قرّروا الاستقالة من هذه المهنة، بعد أن تحوّل كثيرون منهم إلى ألعوبة بيد المليشيات والقوى والأحزاب الحاكمة، فمثل هؤلاء المستقيلين، على قلتهم، يخبرونك بما تشهده سجون العراق من انتهاكات وانتزاع للاعترافات بالقوة، بل هناك تصرّفات سادية تخجل من سماعها يمارسها ضباط التحقيق. وهناك عمليات بيع للسجناء داخل الزنازين، حتى وصل الأمر إلى أن سجناء مغيبين لا يعرف أهلهم عنهم شيئا منذ سنوات، وآخرون حكم عليهم بالبراءة لكنهم ما زالوا تحت ظلم السجن وظلمته، ومرت عليهم فيه سنوات.
لا تقتصر قصص السجون العراقية على ما يجري وراء القضبان من عمليات تعذيبٍ وانتزاع للاعترافات بالقوة وساديةٍ وإجرام يمارس بحق سجناء أغلبهم تم اعتقالهم لأسباب طائفية، وإنما تمتد إلى خارج السجون، فمع كل مقابلةٍ لأهالي السجين، يبتزّهم السجانون، حتى وصل الأمر إلى أخذ مبالغ ضخمة من هؤلاء الأهالي المغلوبين على أمرهم، من أجل السماح لهم بإدخال بضع لقيمات لسجينهم، بل تمادى بعض السجّانين بأن طلبوا من ذوي بعض المعتقلين مبالغ ضخمة من أجل توفير جرعة علاج بسيطة يحتاج السجين لعلاجه من بعض أمراضه، مثل السكري وغيره.

لم يعُد مجدياً أن تغضّ منظمات حقوق الإنسان الطرف عما يجري في السجون العراقية، بل لم يعد ممكنا أن يغضّ المجتمع الدولي الطرف عن تلك الممارسات

ظلم السجون العراقية وظلماتها أكبر بكثير مما قد نكتبه هنا، فهي دوّامة متواصلة من الانتهاكات والترويع تُمارس عليهم بعلم الحكومة، وإن ادّعت عدم علمها بمثل هذه الممارسات، فبعد أن ظهرت حادثة سجين بابل، اجتهدت جهات حقوقية عراقية للتذكير بمآسي السجناء العراقيين، وانتهزت فرصةً لتذكير حكومة الكاظمي بما يجري من أهوال وتعذيب داخل السجون، ولكن من دون فائدة، فالحكومة ما كان لها أن تتصرّف بهذه الحدّة والجدّية مع جريمة بابل إلا لأنها جريمة جنائية، بينما آلاف من القضايا التي تُصنف حتى بند 4 إرهاب، والتي أغلب معتقليها من العرب السُنة، فإنها تلتزم الصمت، بل وتدافع عن الإجراءات المتخذة داخل هذه الزنازين، وتتبجح بأنها تتم وفق القوانين والأعراف والمعايير الدولية.
اليوم، شاهد العالم كيف أن بريئاً تحوّل، بقدرة التعذيب وزبانية السجون، إلى قاتل. ولولا أن تداركته رحمة ربه، وظهرت زوجته المختفية، لكان الآن في عداد الأموات، ولكانت حكومة الكاظمي وزبانية ضباط الداخلية يتبجّحون بتطبيق العدالة على قاتل.
لم يعُد مجدياً أن تغضّ منظمات حقوق الإنسان الطرف عما يجري في السجون العراقية، بل لم يعد ممكنا أن يغضّ المجتمع الدولي الطرف عن تلك الممارسات التي تجري في السجون العراقية، لأن ذلك سيعني أن هذا المجتمع الدولي داعم لهذه الممارسات، ويقرّ الحكومة على ما تفعله، ولا عزاء لنحو 25 ألف عراقي، ستتدلى رقابهم من حبال المشنقة، بتهمٍ أغلبها كيدية.