السجن والبانتيون

02 نوفمبر 2025

(كمال بلاطة)

+ الخط -

لم يحظَ جثمان المحامي الفرنسيّ الشهير روبير بادنتير بدخول مدفن العظماء في 9 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، بل كان الحظّ (أو سوء الحظّ) حليف أشياء رمزية تمثّل منجزه: نسخة من خطابه حول إلغاء عقوبة الإعدام، وزيّ المحاماة الذي ارتداه قرابة ثلاثين سنة، وثلاثة كتب: "إيديس" الذي ألّفه تكريماً لجدّته، و"كوندورسيه" الذي ألّفه بالاشتراك مع زوجته، و"أشياء مرئيّة" لفيكتور هوغو، الذي وردت فيه عبارة تصلح لتلخيص سيرة الرجل: "سعيدٌ من يُقال عنه يوماً ما: حين رحل، رحلت معه عقوبة الإعدام". والحقّ أنّ دفنَ هذه "الرموز" في هذه "المقبرة"، قد يكون كنايةً عن أنّنا أمام جنازة جماعية لأهمّ ما ميّز الرجل طوال حياته: فكرة إلغاء الإعدام التي لم تترسّخ في الواقع المعيش كما ينبغي، شأنها في ذلك شأن مهنة المحاماة التي باتت تعاني أشدّ المعاناة، على الرغم من أنّه مارسها قرابة ثلاثين عاماً، جاعلاً منها منبراً للدفاع عن الحياة. وفي الجهة الأخرى من المدينة، لم ينسَ الرئيس الفرنسيّ السابق نيكولا ساركوزي، وهو يدخل سجن لاسانتيه، يوم الـ21 من الشهر نفسه، أن يرفق نفسه بكتابين: رواية الكونت دي مونت كريستو لألكسندر دوما، وسيرة المسيح لجان كريستيان بيتيليس، وكأنّه يقول من وراء الكتاب الأوّل: أنا بريء سينتقم. ومن وراء الكتاب الثاني: أنا الفادي الأخير وسجني صليبي.

ثمّة رائحة خواءٍ كريهة تتصاعد من الموكبين، وترتفع من محاولة تمجيد إلغاء حكم الإعدام من جهة، وتثمين محاسبة الخارجين عن القانون من الجهة الأخرى، بينما تكشف كرنفاليّةُ الحفلين عن رغبة في إنشاء سرديّة مضلّلة، تبيّض صفحة الضمير الجماعيّ من جهة، وتبيّض صفحة السياسة الفاسدة من الجهة الأخرى.

ويزداد ارتفاع هذه الرائحة مع تصاعد المسافة التي تفصل هذه الأيقنة الأخلاقويّة عمّا يحدث في غزّة، حيث تُعدم مكتبةٌ مع كلّ روح تزهق، وحيث يصير الطفل الذي لم يتعلم القراءة نصّاً ناقصاً في كتاب البشرية. ولو فُتِحَ هذا الكتاب المذبوح لاحترق البانثيون خجلاً، ولارتجف الكتابُ المقدّس في أيدي حامليه. وبين دفن بادنتير واعتقال ساركوزي، يبدو الفلسطينيّون على هامش القراءة في كتاب الحضارة والضمير، ويبدو البانتيون والسجن عنواناً لمسرحيّة واحدة، مع فرقين وحيدين: طبيعة الحبر المختار للكتابة، ونوعيّة الخطّ الطباعي.

مات بادنتير، لكنّ أفكاره ظلّت بيضاء شماليّة، نظيفةً من أيّ حضور جنوبيّ قد يُلطّخ صورتها. وهو ما يتيح طرح السؤال: لو أصبحت أفكاره "كونيّة" حقّاً، ولو ظلّت حيّة حقّاً، أي مزعجة بحكم فعاليّتها، هل كان يسمح لها بعبور بوّابة البانتيون؟ أما ساركوزي، فقد حمل كتابيه مثل من يحمل دليلَ براءة: انظروا، أنا أقرأ. إذَنْ، لا يمكن أن أكون فاسدًا! في الحالتين، ليس الأمر تنويهاً بقيمة الكتب بقدر ما هو توظيفٌ لرمزيّتها. تحضر الكتبُ باعتبارها تعويضاً رمزيّاً عن الحقيقة، أو قناعاً أنيقاً يخفي عري السياسة والأخلاق. هل أصبحنا نعيش في زمنٍ تُستخدم فيه الكتبُ بدائلَ من الضمائر؟ هل صارت المكتبةُ المقبرةَ الجديدة للمعنى، حيث ندفن القضايا بدل أن نواجهها؟ ربما نعم. وربما كانت جنازة بادينتير احتفاءً بلحظةً من لحظات النسيان المتقن، فيما لم تكن صورة ساركوزي فعل قراءة، وهو يدخل زنزانته بكتابيه، بقدر ما كانت محاولة تجميلٍ للعار.

صادفت اللحظةُ احتفالاً جمهوريّاً في مواجهة أزمات سياسيّة خانقة ومتعاقبة. لذلك لم يبخل أحد على الرجلين بالمديح والكلام المريح. اعتبر سجن ساركوزي دليل تغوّل السلطة وتسييس العدالة من طرف أنصاره. قال ماكرون، في خطابٍ بالمناسبة، إن فرنسا تكرّم في شخص بادنتير المناضلَ الذي جعلها أمّة العدالة، وإنّه عازم على مواصلة هذا النضال حتى يتحقّق الإلغاء العالميّ لعقوبة الإعدام. وفي الفترة نفسها ظلّت الطائرات الفرنسية تحلّق فوق البحر المتوسط في طريقها لتجديد "التعاون الأمني" مع دولة الإبادة والأبارتهايد والإعدام الجماعيّ. إنه المشهد المثالي للقرن الحادي والعشرين: ننوّه بسجنِ سياسيّ ونسمح لآخر بالعربدة. نمجّد إلغاء حكم الإعداء في بلاد، ونبيح إعدام شعب بأسره في بلاد أخرى. مع رفع الكتب كالستائر في مسرحيّات رديئة. ويبدو أن العالم لم يعد محتاجاً إلى مؤلّفين ومخرجين وممثّلين في هذه المسرحيّات، بقدر ما هو محتاج إلى مصحّح لغويّ، يضبط الأخطاء الإملائية التي جعلت البانتيون والسجن وجهي عملة واحدة.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.