الروس والملف اليمني

07 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

ظلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية منطقة نفوذ سوفييتي مغلقة عليه طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، على عكس الجمهورية العربية اليمنية شمالا، والتي كانت على علاقة جيدة بالاتحاد السوفييتي السابق، وكذلك بالولايات المتحدة، حتى إعلان قيام الجمهورية اليمنية، بتوحيد شمال اليمن وجنوبه في 22 من مايو/ أيار 1990.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي الذي على إثره توحد اليمن، كان ذلك إيذانا بانتهاء النفوذ السوفييتي في اليمن، والذي كانت سترثه جمهورية روسيا الاتحادية التي دخلت بدورها في بيات شتوي طويل، ولا تزال بعض ملامحه تشكل هاجسا كبيرا لدى صانع القرار الروسي، بالنظر إلى التجارب الروسية "السوفييتية" السابقة في كثير من محطاتها التي كانت المحطة الأفغانية ربما أسوأها، ولا تزال ربما حاضرة بقوة لدى صانع القرار الروسي.

المحطة الأفغانية ربما، والإشكال الروسي الداخلي، هما ما يرسم ملامح الدور الروسي في كل التدخلات الخارجية للدولة الروسية، ونوع هذا الدور وطبيعته، بعد ذلك وحتى اللحظة التي نرى فيها التورّط الروسي في كثير من ملفات المنطقة، وبخاصة الملفان السوري والليبي، ومدى الحضور وطبيعته فيهما.

المحطة الأفغانية ربما، والإشكال الروسي الداخلي، هما ما يرسم ملامح الدور الروسي في كل التدخلات الخارجية للدولة الروسية، ونوع هذا الدور وطبيعته

وبالعودة إلى الموضوع اليمني، وفي ضوء زيارة وفد من المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا روسيا أخيرا، والتقائهم نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف، المسؤول عن ملف الشرق الأوسط في الخارجية الروسية، وحديث بعضهم عن إمكانية تدخل روسي في الملف اليمني دعما لمشروع الانفصال المدعوم إماراتيا من خلال المجلس الانتقالي، وجدل كثير في هذا الجانب. .. أي قراءة من هذا القبيل، وبهذا الخيال المفتوح، تتجاوز حقائق كثيرة على أرض الواقع، بالنظر إلى متغيرات ومؤشرات كثيرة بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في الملف اليمني، في ضوء ما لدى الروس من تجارب في هذا الملف، وفي ضوء الوضع الروسي الداخلي أيضا، وكذا في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية بشكل عام، ويضعنا ذلك كله أمام جملة حقائق لا يمكن تجاوزها.

يدرك المتابع، أولا، للوضع الروسي الداخلي، حجم التعقيدات الداخلية التي تعيشها روسيا اليوم، في ضوء الاحتجاجات التي تتعاظم كل يوم. وأيضا في ضوء حالة الاستعصاء الكبيرة لتحول ديمقراطي روسي حقيقي، وتعاظم دور المعارضة الروسية لهذا الوضع، ما يجعل النخبة الروسية الحاكمة في حالة عدم أمان، ما يدفعها بقوة نحو الانكفاء الداخلي على مشكلاتها أكثر من التفكير بلعب أدوار كبيرة على المستويين، الدولي والأقليمي، وهو ما تجلى أخيرا بوضوح في الموقف الروسي من الصراع الأذري الأرميني، وعلى حدودها الجنوبية.

النخبة الروسية الحاكمة في حالة عدم أمان، ما يدفعها بقوة نحو الانكفاء الداخلي على مشكلاتها أكثر من التفكير بلعب أدوار كبيرة على المستويين، الدولي والأقليمي

ومع ذلك، قد يتساءل بعضهم إن مثل هذا القول بالانكفاء الروسي لا ينسجم مع حقيقة التدخل الروسي في ملفات عديدة في المنطقة العربية، كالتدخل الروسي الواضح في الحربين، السورية والليبية، وهو دور كبير لا تخطئه عين في هذه الملفات.

وفي الحقيقة، لا يتجاوز الحضور الروسي في الملف السوري مثلا، هذه اللحظة الروسية تماما، ويعود بالذاكرة إلى الماضي القريب، باعتبار الوجود الروسي في سورية ليس وليد اللحظة، وإنما ملف قديم مما ورثته الدولة الروسية عن التركة السوفييتية السابقة، وقاعدة طرطوس الروسية كانت إحدى أهم ثوابت السياسة السوفييتية حتى لحظة تفكّك تلك الإمبراطورية التي ورث عنها الروس هذا الحضور بالقاعدة الروسية في المياه الدافئة على شواطئ البحر المتوسط، واستمرار هذا الحضور، وإن تطور لتدخل عسكري روسي واضح في الحرب السورية.

أما في الملف الليبي، فالوجود الروسي غير رسمي، ويتخذ شكل وجود جماعات من المرتزقة لا يتبعون الدولة الرسمية ومؤسساتها السيادية، كالجيش وغيره، مباشرة، وإنما كما يصرح الروس دائما إن هؤلاء المقاتلين يتبعون شركات أمنية، كشركة فاغنر الروسية الأمنية الخاصة، ما يجرّد التبرير لهذا الحضور الروسي من صفته الرسمية الصرفة، عدا عن أن الروس في الحالة الليبية لم يُحدثوا فارقا كبيرا يتناسب مع افتراض تدخلهم هناك.

تشديد روسيا على أهمية التوافق السياسي اليمني لإنجاح اتفاق الرياض، باعتباره خطوة مهمة في سبيل استعادة الدولة اليمنية المنهارة

وبالعودة إلى الملف اليمني، وما يُطرح من نقاش عن إمكانية اللحظة ومواتاتها لتدخل روسي، فإن في هذا القول كثيرا من الخيال والتمنّي، أكثر من كونه حقيقة قائمة على أرض الواقع، لاعتبارات عدة، في مقدمتها ما سلف ذكره، الوضع الداخلي الروسي، وثانيها غياب الجدوى بالنسبة للروس من العودة إلى اليمن، وهم يمتلكون تجربةً غير مريحة بالنسبة لوجودهم في اليمن، باعتبار التقييم الموضوعي لذلك الوجود يصب في خانة عدم تكرارها، حاليا على الأقل، لأسباب مختلفة ذاتيا وموضوعيا.

ومع ذلك، ثمة تفسير لدافع آخر، لاحتمالية التدخل الروسي، كالرغبة الإماراتية لجلب الروس إلى الملف اليمني، بالنظر إلى متغيرات الانتخابات الرئاسية الأميركية التي دفعت الديمقراطيين الأميركان إلى البيت الأبيض، وإزاحة إدارة ترامب الجمهورية التي كانت على علاقة جيدة بالإمارات والسعودية وتحالفهما في حرب اليمن. ولكن حتى هذا الدافع قد لا يمثل سببا جوهريا لتدخل الروس في الملف اليمني، بالنظر إلى أن لدى الروس تجربة وخبرة طويلتين في العلاقة مع اليمن ككل، وجنوبه خصوصا، تلك العلاقة التي دار نقاش مستفيض بشأنها في دوائر صناعة القرار الروسي، وكلها تدفع بعدم تكرار ذلك، وخصوصا إذا كان الأمر يتعلق بدعم حركة انفصالية، لا يقع ضمن أجندات السياسة الروسية دعم الانفصال.

في القول عن إمكانية اللحظة ومواتاتها لتدخل روسي كثير من الخيال والتمنّي، أكثر من كونه حقيقة قائمة

يتضح مثل هذه التوجه الروسي من طبيعة الخطاب والمفردات السياسية الروسية التي ظهرت في التعاطي مع أخبار وفد المجلس الانتقالي، من قبيل الحديث عن مجلس جنوبي يمني، وتشديد روسيا على أهمية التوافق السياسي اليمني لإنجاح اتفاق الرياض، باعتباره خطوة مهمة في سبيل استعادة الدولة اليمنية المنهارة.

وختاما، حتى هذه اللحظة يُبنى الموقف الروسي تجاه الأحداث في اليمن من زاويةٍ تكاد تجمع عليها كل الأطراف الدولية الفاعلة والمهمة، باعتبار الدفع باتجاه حل سياسي للأزمة اليمنية يرتكز على ضرورة الحفاظ على أمن اليمن واستقلاله ووحدة أراضية، باعتبار المسألة الانفصالية اليوم واحدة من الأوراق المرفوضة وغير المحبذة من كل الأطراف الدولية.

باعتبار أن المسألة الأنفصالية تمثل بؤر توتر دائم تهدد منظومة الأمن والسلام الدوليين الراهنة، وهو ما كشفت عنه أحداث كثيرة، رأيناها في قضية انفصال إقليم كردستان العراق المجهضة وإقليم الباسك الإسباني التي وقف العالم كله ضدها، عدا عما نراه في الملف الصومالي الذي أعلن فيه أقليم صومالي لاند استقلاله منذ عشرين عاما، ولم يعترف به أحد.