الرواية التي لم تكتبها أغاثا كريستي

الرواية التي لم تكتبها أغاثا كريستي

29 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

رغم الخيال الجامح الذي امتلكته، لم تتخيل الروائية الإنكليزية، أغاثا كريستي، يوما وقائع مثيرة لرواية بوليسية لافتة كالتي أحكم تلفيقها فريق محقّقين وضباط أمن عراقيين، وتمكّنوا من أن يعرضوها على شاشة فضائية، حيث استقطبت اهتمام الجمهور، وقد اجترحوا من شاب بريء من مدينة الحلّة شخصية بطلٍ يقتل زوجته، ويحرق جثتها، ثم يلقي ببقاياها في دجلة، كي تغيب معالم الجريمة تماما إلى الأبد، ويسجل المحققون اعتراف القاتل المفترض بالصوت والصورة، حيث يُحكم عليه بالإعدام شنقا، ويقودونه إلى السجن في انتظار تنفيذ الحكم، ويتنفسون الصعداء بعد إنجاز فعلتهم الخبيثة وقبض الثمن، لكن القدر يقف لهم بالمرصاد، إذ تظهر الزوجة فجأة، لتعلن أنها تركت بيت الزوجية لخلافات عائلية. ويجد الزوج فرصته، ليعلن أنه اضطر للاعتراف بجريمةٍ لم يرتكبها جرّاء التعذيب الشديد الذي خضع له، وتهديده من المحققين بأنهم سيجلبون نساء بيته وسيتم الاعتداء عليهن إذا لم يوقع على "اعترافات" أعدّوها، وهكذا انتزع منه "إقراره" الكاذب بأنه قتل زوجته.

واستكمالا لخيوط "السيناريو"، اقتيد إلى التحقيق "مظاليم" آخرون. يصرخ والد الشاب البريء: "عشرة من أولادي وإخوتي سُجنوا على جريمةٍ لم تقع أصلا، حتى ابني القاصر لم يسلم من السجن .. أريد العدالة". تصل صرخته إلى مسمعي رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، الذي يشكل لجنة للتحقيق ومحاسبة الفاعلين، ويأمر بـ"مراقبة تطبيق معايير حقوق الإنسان"، وهي المعابير الغائبة دهرا عن إجراءات سلطات الأمن ودوائر القضاء في العراق وسلوكياتهما، والحصيلة المرّة للسنوات السابقة هي إعدام الآلاف ممن خضعوا لما خضع له ابن مدينة الحلة البريء من تعذيبٍ وتهديد، واتهامات باطلة، وتلفيق "اعترافاتٍ" بألسنتهم بالصوت والصورة. وفي كل مرة، تصاعدت الاستغاثات من أسر المعدومين، والمناشدات من منظمات حقوق الإنسان، أن توقف حكومة بغداد التعذيب وممارسات انتهاك إنسانية الإنسان، لكن أحدا لم ير صدى عمليا لكل تلك الاستغاثات والمناشدات.

ما يحدث في العراق لم يخطر حتى في بال كتّاب الروايات البوليسية في أيما مكان

واقعة ابن الحلة، بتفصيلاتها الملفقة، لم تخطر حتى في بال كتّاب الروايات البوليسية في أيما مكان. ولذلك يمكن أن يحصل المحققون وضباط الأمن ورجال الإعلام المتواطئون معهم على "براءة اختراع" بأسمائهم، بعدما أوشكوا أن يلفوا حبل المشنقة على رقبة شاب بريء، وارتكبوا جريمة متوافرة الأركان، هي الأولى في غرابتها ولفت الانتباه لها. واذا كانت أغاثا كريستي قد اكتسبت في حينه لقب "ملكة الجريمة"، فان الذين لفقوا جريمة اليوم يستحقون لقب "ملوك الجريمة" عن جدارة، لبراعتهم في وضع "السيناريو" وتطويع عناصره وإنتاجه كمادة تلفزيونية، وعرضه في فضائيةٍ تزعم أنها لا تقدّم لمتلقيها إلا الحقيقة، لكنها خالفت ما يفترض أن أجهزة الإعلام في كل بلاد الله درجت على اتباعه، وهو عدم ترويج ملابسات وإشكالات في قضايا لم تنجز أحكامها النهائية بعد.

وهكذا يقدّم العراق في كل يوم أمثولات "رائدة" في التلفيق والتزوير، والكذب المباح. وعادة ما يكون الأبرياء ضحايا لهذا النوع من السلوكيات التي تكاد تنتشر في كل مؤسسات الدولة ودوائرها. وقد يضطر بعضهم إلى التعامل معها، بعدما أصبحت جزءا من الواقع اليومي المريض الذي تكرّس بفعل مباشر من أحزاب ومليشيات ومافيات وشخصيات حاكمة، يهمها إبقاء الأوضاع على حالها، ما دامت هي مستفيدة من ذلك.

ما يجري تكرّس بفعل مباشر من أحزاب ومليشيات ومافيات وشخصيات حاكمة، يهمها إبقاء الأوضاع على حالها، ما دامت هي مستفيدة من ذلك

وثمّة خيوط أخرى بانت معطوفةً على وقائع الرواية التي لم تكتبها أغاثا كريستي، فقد أنبأتنا وزارة العدل، في بيان رسمي، أن في سجون العراق يرقد أكثر من خمسين ألف سجين، نصفهم محكومون بالإعدام وينتظرون أن تلتفّ حبال المشنقة حول رقابهم. ولم تنس الوزارة التي تضع شعارا لها مقولة "العدل أساس الملك" أن تحاول إخلاء مسؤوليتها عن بقاء هؤلاء المحكومين بالإعدام يأكلون ويشربون ويتنفسون، لأن رئاسة الجمهورية لم تصادق بعد على الأحكام الخاصة بهم، وليت الوزارة فكّرت في أن تدقق في أوراق هؤلاء، خشية أن يكون بعضهم قد تعرّض للتعذيب أو التهديد، فأقرّ بما لم يفعله، خصوصا بعد أن انفضح ما تم العمل على التستر عليه طويلا، واتضح أن السياق العام لاستنطاق المتهمين هو تعرّضهم لأشكالٍ، بعضها مبتكر، من التعذيب المبرمج الذي يفضي بهم إلى الاعتراف. وليت الوزارة تدرك أن تأخير إعدام مجرم لن يضر المجتمع بقدر ما يضرّه إعدام إنسان بريء، وزوال الدنيا عند الله أهون من إزهاق روح بريئة .. ألا هل بلغت؟