الرهان السوري على الجيش الميداني الأخير

الرهان السوري على الجيش الميداني الأخير

18 يناير 2022
+ الخط -

في مجتمعٍ يُعَدُّ التفكير فيه جريمةً لا تُغتفر، وتميّز الفرد عن باقي أفراد القطيع عاراً لا يدانيه عار، سعى النظام السوري إلى محو الهوية الفردية لدى أتباعها، إيماناً منه أنّ الشعور بالذاتية يعزّز من قدرة الفرد على النقد، ولاحقاً التجرّؤ على المطالبة بالحرية. ضمن هذه السياقات، لم تجد البراغماتية السياسية، في لحظة ما، ضيراً من توحيد الذوق العام، وابتكار أشكالٍ بديلةٍ من ضبط الأمن المجتمعي، لا تحيد عن الأعراف المليشياوية النمطية، داخل عالمٍ يتحوّل الجميعُ فيه إلى عيون، ترقب أي مظهرٍ من مظاهر التمرّد والاختلاف، في محاولةٍ للارتقاء إلى مرتبة "المواطن الصالح". وفي ظلّ مناخات الاستبداد، حيث تكون الدولة والعقد الاجتماعي منهاريْن، ظهرت أشكال من الانكفاء باتجاه بنى مجتمعية تنتمي إلى ما قبل الدولة الحديثة، فمثلاً ما بين 1963 و2010، لم تُبنَ مسارح ولا دور سينما، وكانت دار الأوبرا في دمشق المبنى الوحيد الذي شيدته السلطة الحاكمة، ووضعته تحت رقابةٍ أمنية صارمة، بينما بنت نحو 150 مركزاً ثقافياً حكومياً في كلّ منطقة وناحية، يعمل على تقديم ثقافةٍ معلّبةٍ بعلب سلطوية. تركت هذه الوقائع والمُدركات بصماتها الواضحة على سلوكيات السوريين المتشبّعين بالخوف المرضي، وليس ثمّة دليل شافٍ وقطعي على وجود استراتيجيةٍ منسّقةٍ ومتّسقةٍ للنظام، سوى سياسة "الإكراه على الطاعة" التي، ومن دون أدنى شك، أدّت وظيفة انضباطية مهمة، أنتجت خطوطاً عامة للسلوك المقبول، وعزلت المواطنين بعضهم عن بعض، وملّلت الناس الذين أوهموا النظام، لعجزهم، بأنّهم قابلون للخديعة لمجرّد الادّعاء أنّهم يصدّقونه. وفي عهد "الأسد الابن" برزت تساؤلاتٌ جمّة عن احتمالات التغيير والإصلاح، خصوصاً ما تعلّق باستمرار ظاهرة "تقديس الحاكم" وكانت هناك بدايات مشجّعة على انتهاج خطّ مختلف، لا سيما في الفترة التي أفرزت ظاهرة "ربيع دمشق" التي سرعان ما تحوّلت إلى شتاء قارس، باعتقال رموز تلك المرحلة، والعودة إلى أساليب الحكم البائدة، سواء على صعيد استغلال التحدّيات الخارجية للتهرّب من الاستحقاقات الداخلية، أو حتّى رفض تبنّي أي شكل من "الليبرالية" السياسية أو الثقافية والاقتصادية. لذا، عاد مطبّلو النظام إلى العمل بطاقةٍ مضاعفةٍ لإنتاج شعاراتٍ وخطاباتٍ بقصدِ تعظيم الابن "الفقير سياسياً" في وقتٍ فقدَ فيه النظام سيطرته على وسائل الإعلام، بفعل انتشار الفضائيات، والإنترنت، والهواتف النقالة.

مركزية عمليات "الإكراه على الطاعة" تدرك تماماً أنّ شرعية النظام السوري الذي تدافع عنه تتأتّى من إثبات الفعالية في قمع مصادر التهديد الملموسة

في موازاة ذلك، غدا الإعلامُ السوري الرسمي عملةً سياسية رابحة، تداولها عناصر النظام القديم، وفلول شبكات السياسيين، ورجال الأعمال، والنخب البيروقراطية، منذ انحدر إلى مستوى ما سأسميه تجاوزاً "مقاولي الصحافة" الذين لا يفرضون الحقيقة بقدر ما يتفاوضون بشأنها، صحافة غدت أشبه بعملياتِ تعبئةٍ ضد ردّات فعلٍ شعبيةٍ ارتكاسية، تحدُث كاستجابة طبيعية لتنامي مدركات التهديد بين المواطنين. وعلى العموم، كانت مركزية عمليات "الإكراه على الطاعة" التي غذّت إرثاً ثقيلاً من الخوف والعنف عاملاً هاماً في تشكيل السياسة السورية الراهنة، المستندة إلى عقليةٍ مخابراتيةٍ تديرها مليشيات انتهازية مهزومة ذاتياً، تدرك تماماً أنّ شرعية النظام السوري الذي تدافع عنه تتأتّى من إثبات الفعالية في قمع مصادر التهديد الملموسة. ولعلّ أشهر تلك المصادر وسائل الإعلام الافتراضي التي شغلت حيزاً كبيراً في إطار عملية التغيير، يشمل، بطبيعة الحال، الثورة السورية التي اندلعت عام 2011. ففي 2010 وصلت إجراءات الرقابة على الفضاء الافتراضي السوري إلى ذروتها، حينما تمّ تطبيقٌ شبه رسمي لمسودة قانون حول الإعلام الالكتروني، والذي أقرّه لاحقاً مجلس الشعب، وتضمّن موادّ تصل فيها العقوبات إلى السجن، وإمكانية إحالة الصحافيين والمدوّنين المعارضين للمحاكم الجزائية.

العمل الصحافي في سورية لم يختلف منذ تسلّم حزب البعث السلطة، إذ لم يخرج عن مفهوم "الإعلام السوري كلّه مثل فرقة سيمفونية يقودها مايسترو هو وزير الإعلام"

وعليه، ولغياب نصوصٍ قانونية تدعم سياسة "الخناق السوري" اجتهدت حكومة الأسد في وضع تشريعاتٍ رقابيةٍ تسمح لها بملاحقة النشطاء على إثر تحرّكاتهم الإلكترونية، ولن يكون آخرها، بالطبع، القرار الذي أصدرته لجنة صناعة السينما والتلفزيون، وحذّرت فيه كلّ من يقوم بنشر محتوى فنيّ يخصّ مواقع التواصل من دون الحصول على ترخيص، بإحالته إلى فرع الجرائم الإلكترونية، مبديةً أسفها من حالة "الانحلال الأخلاقي الفني والفكري، والاستعراض المبتذل الذي يعرض على بعض منصات التواصل الاجتماعي". وبمقاربة بسيطة، نجد أنّ وضع العمل الصحافي في سورية لم يختلف منذ تسلّم حزب البعث السلطة، إذ لم يخرج عن المفهوم التي عبّر عنه وزير للإعلام في عهد حافظ الأسد، بقوله إنّ "الإعلام السوري كلّه مثل فرقة سيمفونية يقودها مايسترو هو وزير الإعلام، وكلّ عازفيها ينظرون إلى العصا التي يحملها ويعزفون حسب حركتها". تناغماً مع هذا السياق، ومنذ البداية، أُعلنت حالة الطوارئ في محاولةٍ خبيثةٍ لإدارة مجتمع فائق التعقيد، وصدر حكم عرفي أوقفت بموجبه تراخيص الصحف والمطبوعات، إلى أن صدر قانون المطبوعات عام 2001 الذي أعطى الحقّ بإنشاء وسائل إعلام خاصة أول مرة منذ عقود، وكانت صحيفة "الدومري" أول تجربة مستقلة، سرعان ما ضيّق النظام عليها حتى أغلقت عام 2003، ولوحق الصحافيون مجدّداً، واعتقل عديدون منهم في العام 2005، الأمر الذي أعطى صورة واضحة على موقف حكومة "الأسد الوارث" من أيّ صحافةٍ مستقلةٍ تخرج عن فلك الإعلام الحكومي باعتباره مجرّد بوق يسوّق سياسات النظام، ويبرّرها.

أخذ الشباب السوري يترك ساحات الصراع الميدانية، وينكفئ إلى ساحات مواقع التواصل التي شكّلت منبراً أكثر أماناً للقيام بكلّ ما يُخشى ممارسته على أرض الواقع

تقودنا هذه المناورات الشريرة للنظام إلى محصلاتٍ تبسيطية واضحة؛ إدراكه جيداً أنّ وسائل الإعلام لا تقل أهمية عن الجيوش الميدانية، بدلالة حرصه على إعطاء هامش حرياتٍ لصحافيين وناشطين يدورون في فلكه، محاولاً بذلك دعم البروباغندا الخاصة به من خلال "الحرب على الإرهاب"، وإظهار الثورة السورية، مثلاً، مؤامرةً تستهدف البلد والأمن القومي. وعليه، من الطبيعي أن تلعب تقنيات الاتصال الجديدة دوراً بارزاً في تحديد معالم الانتفاضة الشعبية السورية، والشكل، والكيفيات التي يسير عليها التغيير المنشود، إذ أدّى الإقبال المرتفع لدى السوريين على وسائل التواصل إلى توليد ثقافةٍ أمنيةٍ موازية، خصوصاً مع انتشار "صحافة المواطن" وتحوّلها، في بعض الحالات، إلى إعلامٍ محترفٍ ومؤثر، ما دفع حكومة الأسد إلى التفكير فجأة بضرورة عدم إغفال مرونة تلك المواقع في نقل أفكار الثورة والتغيير، التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم بين روّادها. ونتيجة تلك المرونة، المترافقة مع الاستعصاءين، السياسي والعسكري، على أرض الواقع، أخذ الشباب السوري يترك ساحات الصراع الميدانية، وينكفئ إلى ساحات مواقع التواصل التي شكّلت منبراً أكثر أماناً للقيام بكلّ ما يُخشى ممارسته على أرض الواقع. وفعلياً، أيّ حلحلةٍ للقبضة الأمنية على الفضاء الإعلامي ستُضعف أعمدة هذا النظام الديكتاتوري، وتفضح فساده وإجرامه، بينما يعي جيداً ما للمواطن - الصحافي من شأو عظيم في كشف "الفضاء المريض الذي يقف بين السلطة والمجتمع الحقيقي" كذلك تعرية التظلمات المجتمعية، ومشاعر الضيم الإنسانية والأخلاقية القائمة. ويحتّم عليه، في المقابل، ضرورة بناء مجال عام مضاد لحقل السلطة المستبدة، رافعة ثورية تتميز بالذكاء والحنكة في مواجهةِ النزعة الوحشية للدولة الأمنية الطاغية في كلّ مكان، وإعادة تأهيل مؤسساتها التي عندما نُسِجَت وفق الهويات ما قبل الوطنية تعزّزت سطوة نظامٍ لم يزعجه يوماً تحويل سورية، بعظمتها، إلى جملةٍ اعتراضيةٍ لا محل لها في هذا العالم الفسيح النابض بالحياة.