الردّ بالكتابة

الردّ بالكتابة

17 مايو 2021
الصورة

(باكر بن فرج)

+ الخط -

أستعير عبارة "الرد بالكتابة" التي لطالما استخدمها إدوارد سعيد، لأضعها عنواناً لهذا المقال؛ في وقتٍ أحدثت فيه بسالة الفلسطينيين هزّة عميقة، خلخلت مدامك آخر معاقل الكولونيالية في الشرق، معيداً إلى الأذهان بداهةً مفادها بأنّ فلسطين، بقضيتها العادلة، ليست فحسب عربية وإسلامية، إنّما هي أيضاً قضية ضميرية تتصادى مفاعيلها لدى الشعوب الحرّة في العالم، لترقى إلى مستوى القضية الإنسانية الأولى الأكثر تفاعلاً على وجه البسيطة.
يسطّر، في هذه الأيام، أهلنا في فلسطين واحدة من أيام العزّ العربي، وهم يرسمون ملامح واقع جديد، له ما بعده، مجسّدين، عند الصغار قبل الكبار، ما كنا نظنها أحلاماً رومانسية بعيدة، مخلخلين، بصمودهم الأسطوري، تصورات وقرت في نفوسنا، يصعب أن تتحقق إلّا في رياض الأدب والأمنيات، وذلك بسبب النكسات المتتالية التي عشناها، وكانت إسرائيل طرفاً فيها، كادت تساهم في خلخلة الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية وحلم التحرير والصلاة في المسجد الأقصى والآمال الراسخة التي تتشارك فيها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. وهو ما حلمت به أجيال، غادر بعضها الحياة من دون بادرة أمل في التحقيق. تتراءى بوادره الآن ماثلة في صور أسطورية ناصعة بآيات البطولة والثبات، فبعدما أعادت المقاومة الباسلة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، صار من واجبنا أن نقف إلى جانبها، ولو باللغة والكلمات، لأنّ اللغة بيت الوجود، كما قال هايدغر، مستغلين المنابر المتاحة، لاقمين بكلماتنا أفواه المثبطين والمشككين، مشكلين صفاً خلف المقاومين نشدّ أزرهم به.
تدلّ الهبّة الكبيرة وغير المسبوقة التي ميزت الكتابات في فضاء العالم العربي، الصحافية المكتوبة والإعلامية المرئية والرقمية، على وعي عالٍ وشعور صادق بقيمة ما يفعله أهلنا في فلسطين من بطولاتٍ أسطورية، وهم يدافعون عن حقوقهم في الحياة، في وجه عدو بلا أخلاق، يؤكّد كلّ يوم قدراته الوحشية في القتل والسحق، ويكفي النظر في عدد الأطفال الذي قضوا تحت القصف المباشر والمدروس.
في هذه الأثناء، على الرغم من روعة التفاعل العربي من المحيط إلى الخليج، نفاجأ بأصواتٍ تحاول التشويش على جلاء المشهد، بالحديث عما يظنّونها مساحةً عقليةً تكفلها حرية التعبير والرأي، في الاستعانة بآراء إسرائيلية، ومقولات يتم نقلها حرفياً وتفعيلها، بل التحاور معها من دون جدال، وباحترام وتقدير، بل باللغة والإشارات والتحيات التي يحبها الطرف المعتدي. وكأنّما إسرائيل في كلّ ما تفعله وفعلته من سلوك عنصري وجنون سافر في البطش، وأمام مرمى كاميرات العالم وأنظارها، كأنّها قد تركت لنا مساحة للاحترام والتحاور العاقل. والذي أثبت، بسبب التعنت الإسرائيلي، أنّه ليست له مساحة وفضاء، حتى في لحظات الهدوء المتوهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وذلك نتيجة العجرفة والعنصرية واللامبالاة السافرة التي يتعامل بها الإسرائيليون مع مطالب الفلسطينيين، أحد أمثلةٍ عديدةٍ بناء مستوطنات جديدة إثر كلّ اتفاق، فما بالنا في هذا الوقت الاستثنائي الذي أسفرت فيه إسرائيل عن فائض عنصريتها وعنفها الذي تجاوز حدود التخيل في البطش والقتل، وفي وقت معظم العيون الحرّة والطبيعية في العالم تراقب وتتعاطف، تأتينا هذه الأصوات التي تدّعي، في الظاهر، أنّها تخاطب روح العقل والديمقراطية والتسامح، بينما تكرّس مفهوماً ممجوجاً وغير مستساغ، يتعلق بضرورة مدّ يد المصافحة لأيادٍ ملطّخةٍ بدم الأطفال، غاضّين الطرف عمّا يعتري المحيطين، العربي والإنساني، من تعاطف وشعور. والعائلة البريئة في غزة التي فقدت بالكامل نتيجة القصف بالنار واحدة من صور المآسي الكبرى في عصرنا، فالتضامن مع ما يحدث في عموم فلسطين المحتلة من بطولات ممزوجة بالتضحيات لم يعد وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، إنّما واجبٌ تحرّكه بداهة الضمير، فضلاً عن دعمه بعشرات الصور والأخبار والمعلومات الحية، ممزوجة بروح التحدّي والإصرار والعناد الفلسطيني على حق المصير والحياة.
في وسط كلّ هذا التعاطف والتفاعل الشعبي، تقوم هذه الأصوات التي لا تقلل فقط من عظمة ما يحدث وتشوّش عليه باستجداء المحتل وممثليه ومحاورتهم، المحتل الذي لم يكتف بتجريف السكان الأصليين، بل خنق من بقوا منهم على أرضه وإذلالهم، وممارسة مختلف مناهج التدمير المادي والمعنوي ضدهم، رافعين شعاراً مضمراً "لا حق لكم حتى في العيش". يحدث ذلك في وقتٍ يعتبر فيه السكوت خيانة، فما بالك بالذي يشارك في تثبيط المقاومين، والتشكيك في بطولاتهم، بالاستهزاء وتصغير إنجازاتهم؟!