الربيع العربي وسلطويةُ المجتمعات

21 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

انصرم عقدٌ على اندلاع ثورات الربيع العربي التي غيرت وجه المنطقة إلى الأبد. وبانصرامه تتشكّل فجوة زمنية تسمح، إلى حد ما، بمساءلة هذا الحدث المفصلي، والوقوف على مساراته التي كان معظمها دراميـا. وعلى الرغم من أن العوامل التي تقف خلف انتكاسة هذه الثورات كثيرة ومتداخلة، إلا أن تأثير بعضها كان حاسما.
في مقدمة هذه العوامل غياب الكفاءة لدى النخب السياسية في إدارة الفترة التي أعقبت سقوط بعض الأنظمة، والعجزُ عن اجتراح توافقاتٍ بشأن توزيع تكاليف التحوّل نحو الديمقراطية. فقد رأت في هذا التحول فرصةً تاريخية لتوسيع نفوذها السياسي، وتصفية حسابات إيديولوجية وحزبية قديمة. ولم تكن مستعدةً لدفع أي كلفةٍ من شأنها أن تُسهم في تخطّي العقبات الكبرى التي عادة ما تشهدها عملية التحول الديمقراطي، سيما في أطوارها الأولى. أكثر من ذلك، سعت بعض هذه النخب إلى الاستئثار بمختلف موارد السلطة، والتحكّم في مفاصل الدولة، في جهلٍ تام بموازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية وحساسية المرحلة الانتقالية. وقد أفضى هذا الوضع إلى زيادة التقاطب الحزبي والمجتمعي، سيما في مصر التي شكلت مختبرا حقيقيـا لمدى إمكانية إحداث تغيير ديمقراطي بأقل كلفة ممكنة.
يعود الإخفاق في هذا المنحى إلى السلطوية المترسبة في بنية المجتمعات العربية، والتي تغذّي الانقسام في غير قضية وشأن. يتعلق الأمر بثقافةٍ سياسيةٍ سلطويةٍ تخترق الاجتماع السياسي العربي، وتعيد إنتاجه بشكلٍ يُصبح معه إحداث تغييرٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ أمرا في غاية الصعوبة. ولا فرق في ذلك بين الدولة الوطنية التي وصلت إلى الإفلاس التام والمعارضة بكل أطيافها اليسارية والعلمانية والإسلامية. هذه السلطوية هي التي منحت حركة الإخوان المسلمين في مصر شعورا زائفا بالغلبة في مواجهة القوى المدنية والثورية التي كانت عصب ثورة 25 يناير. وقد ساعد النزوع المتواتر للحركة نحو الاستئثار بالسلطة على إيجاد حالة تشنج مجتمعية، سرعان ما استثمرتها قوى النظام القديم، لتعيد بناء حساباتها في ضوء هذا الانقسام غير المسبوق الذي عرفه المجتمع المصري خلال سنتي 2012 و2013. وفي غضون ذلك، كانت المؤسسة العسكرية، بكل أذرعها الاجتماعية والأمنية والإعلامية، ترصد اتساع هذه الفجوة بين مكونات ثورة يناير في انتظار اللحظة الموعودة لسحب البساط من تحت أقدام الجميع، وكذلك كان.
لم تفرز الثورات العربية قياداتٍ قادرةً على جدولة الأولويات وتوجيهها بناء على أجندات مجتمعية واضحة، فالدينامية الاحتجاجية التي أسقطت بعض الأنظمة لم يواكبها نقاشٌ عموميٌّ مفتوح بشأن قضايا كثيرة حول الدولة والمجتمع والهوية. وتمّت الاستعاضة عن ذلك بفتح مواجهاتٍ فكرية وإيديولوجية غير مجدية، عكست عجز مجتمعاتنا عن تجاوز بنيتها السلطوية في لحظةٍ تاريخية فارقة، وذلك بسبب غياب قيم الحرية والمساواة والتسامح واحترام حق الاختلاف عن انشغالات المؤسسات الاجتماعية الرئيسة.
أظهرت خبرة الربيع العربي دور الانقسام المجتمعي في إجهاض التحوّل نحو الديمقراطية. ولم يكن هذا الانقسام، فقط، على المستوى الأفقي من خلال التقاطب الفكري والحزبي الذي طبع التدافع الذي واكب الاحتجاجات، بل كان، أيضا، على المستوى العمودي، إذ وظفت الثورة المضادّة والقوى الإقليمية والدولية المعادية للتغيير في المنطقة الانقسامات القبلية والطائفية لإجهاض المسارات الانتقالية في سورية واليمن وليبيـا. وحتى التجربة التونسية التي نجحت، نسبيا، في تجنّب هذا الانقسام طوال السنوات المنصرمة باتت مهدّدة أكثر من أي وقت مضى، خصوصا بعد أن أعادت القوى المحسوبة على نظام زين العابدين بن علي رصّ صفوفها، في مسعى لخلط الأوراق باختلاق صراعات جانبية منهكة لخصومها.
إذا كانت الموجة الثانية من الربيع العربي (2019) أكثر نضجا، على ما يبدو، في تجاوز الانقسامات العرقية والقبلية والطائفية والمذهبية، فإن الأهم من ذلك يبقى مرتبطا بمدى قابلية النخب التي يُتوقع أن تفرزها موجاتٌ قادمةٌ محتملةٌ للربيع العربي، لأن تصوغ خطابا سياسيا واقعيا لا يكتفي، فقط، بتجنب استدعاء هذه الانقسامات وتوظيفها، بل يسهم، أيضا، في بناء ثقافةٍ سياسيةٍ جديدةٍ تسعف هذه النخب في تدبير عملية التحوّل الديمقراطي العسيرة.