الربح والخسارة في اتفاق ناغورنو كاراباخ

الربح والخسارة في اتفاق ناغورنو كاراباخ

23 نوفمبر 2020
الصورة

مظاهرة في يريفان عاصمة أرمينيا تطالب باستقالة رئيس الوزراء (21/11/2020/Getty)

+ الخط -

يُقال إن أفضل الاتفاقات هي التي يشعر فيها كل طرف أنه الرابح أكثر من سواه. هذا الشعور المتبادل هو الضمانة الأساس لأي اتفاق، لكن ما جرى في الاتفاق الذي تم بين أرمينيا وأذربيجان، بوساطة روسية، بعد الحرب في إقليم ناغورنو كاراباخ، لا ينطبق كلياً على هذا التوصيف، حيث تُظهر القراءة المتأنية للاتفاق وسياقاته على وجود أطرافٍ حققت أكثر مما كانت تنتظر جرّاء هذه الحرب، بينما خسرت بعض الأطراف ما كان في وسعها تجنبه، الأمر الذي يدفع إلى القول إن الاتفاق جاء وفق نمط تسويات الحد الأدنى، القائمة على التهدئة المرحلية، وليس الحل النهائي.
بمراجعة ميزان الربح والخسارة في الاتفاق، يبدو الطرف الأذربيجاني أكبر الرابحين فيه، فمن جهةٍ استطاعت أذربيجان الثأر لهزيمتها في تسعينيات القرن الماضي، وخسرت بموجبها حوالي 20% من أراضيها لصالح أرمينيا. وبذلك تمكّنت من استعادة السيطرة على جميع المقاطعات السبع المجاورة للإقليم التي احتلتها أرمينيا منذ ذلك الوقت، وتأمين عودة الأذريين المطرودين إلى ديارهم تحت رعاية الأمم المتحدة. وبالتالي تمكّنت من استعادة ما يعادل خُمس أراضيها التي خسرتها بعد معارك 1992- 1994، وكذلك استعادت السيطرة على ما يقارب 60% من إقليم ناغورنو كاراباخ. كما تمكّنت من انتزاع الموافقة على فتح ممر عبر أرمينيا بينها وبين إقليم ناخيتشيفان، وبالتالي ربط أراضيها بالإقليم الذي كان معزولاً بشكل كامل عن أراضيها على الرغم من أنه يتبع لها، الأمر الذي يعد بمثابة تحوّل استراتيجي مهم في علاقة أذربيجان بهذا الإقليم، إلى جانب تأمين الاتصال الجغرافي المباشر مع تركيا، من خلال شريط حدودي يمتد 23 كيلومتراً.

انتزعت أذربيجان الموافقة على فتح ممر عبر أرمينيا بينها وبين إقليم ناخيتشيفان الذي كان معزولاً  عن أراضيها، على الرغم من أنه يتبع لها

ما كان لهذا النصر والربح الكبير لأذربيجان ليتحققا لولا الدعم التركي الكبير لها. لذا تظهر تركيا أيضاً أحد أهم الرابحين من الاتفاق، بتحقيقها مكاسب كثيرة، ربما أهمها فرض نفسها فاعلا جديدا ومهما في منطقة جنوب القوقاز، بعد أن أوجدت لنفسها موطئ قدم في منطقةٍ ذات أهمية جيوستراتيجية، تتميز بغناها بالنفط والغاز، وتربطها مع دولها روابط ثقافية وعرق مشترك. ومن جهة أخرى، تبرز أهمية هذا الربح في تمكّن تركيا من ربط أذربيجان مباشرةً عبر إقليم ناخيتشيفان بالأراضي التركية أول مرة، بعد أن كان الوصول إلى هذا الإقليم يتطلب المرور بالأراضي الأرمينية أو الإيرانية، الأمر الذي يعني فتح قنوات اتصال لتركيا، ليس مع أذربيجان فحسب، وإنما مع عديد من دول المنطقة وشعوبها ذات الثقافة التركية، وما يستتبع ذلك من مشاريع واتفاقات في الطاقة والتعاون العسكري والأمني والاقتصادي. هذا إلى جانب الدور الرئيسي الذي ستقوم به تركيا في ملف إعادة الإعمار للبنية التحتية للأراضي المحرّرة في أذربيجان، بعد حديث باكو عن إطلاق برنامج لإعادة الإعمار بقيمة عشرة مليارات دولار.
أما روسيا التي كانت عرّابة الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان، فتعتبر هي الأخرى من الرابحين في الاتفاق الذي يعتبر، من جهةٍ، ضربة قاصمة وجهتها روسيا إلى رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، الذي يعمل منذ تزّعمه "الثورة المخملية" في أرمينيا عام 2018، التي أطاحت رئيس الوزراء سيرج سيركيسيان، وحملته إلى السلطة، إلى إدارة ظهره لروسيا، ومحاولة التقرّب من الغرب الأوروبي ومن الولايات المتحدة، في تقليد ما فعلته جورجيا عام 2008.

روسيا تعدُّ من الرابحين في الاتفاق الذي يعتبر ضربة قاصمة وجهتها إلى رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان

وبالتالي، حققت روسيا من خلال الاتفاق نجاحاً مهمّاً في تعزيز قبضتها، ليس على أرمينيا المهزومة ذات التوجه الغربي، وإنما على أذربيجان أيضاً التي ستعاني من وجود قواتٍ روسيةٍ في باقي أراضي إقليم كاراباخ، ومن رقابتها على الممر البرّي الذي سيصل بين أراضيها والأراضي التركية. وبالتالي، تكون روسيا بهذا الاتفاق الطرف الأساسي المسؤول عن إدارة النزاع أكثر مما مضى، الأمر الذي يعزّز نفوذها في منطقة القوقاز على المديين، القصير والمتوسط.
وفي ميزان الخسارة، تظهر أرمينيا أكبر الخاسرين في هذا الاتفاق الذي جاء أقرب ما يكون إلى وثيقة استسلام مذلّة، والذي يفرض عليها إعادة أراضٍ أذربيجانية احتلتها في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب تخليها عن سيطرتها العسكرية في ما تبقى من أراضي إقليم ناغورونو كاراباخ، لصالح القوات الروسية التي بدأت الانتشار في الإقليم قوة حفظ سلام، خمس سنوات قابلة للتجديد.

أرمينيا أكبر الخاسرين في الاتفاق الذي جاء أقرب ما يكون إلى وثيقة استسلام مذلّة، ويفرض عليها إعادة أراضٍ أذربيجانية احتلتها في التسعينيات

وعلى لائحة الخاسرين يمكن وضع الدبلوماسية الأوروبية التي لم تنجح، من خلال مجموعة مينسك التي أنشأتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مع مجموعة من الدول، في لعب أي دور في التوصل إلى هذا الاتفاق الذي يشكل خسارة كبيرة لفرنسا التي ترتبط بعلاقات تاريخية مع أرمينيا، يعزّزها العداء المشترك لتركيا، وقوة اللوبي الأرمني في فرنسا، حيث تظهر فرنسا هنا خاسرة جولة جديدة من جولات التنافس مع تركيا، في دول ومناطق عديدة تدخل في مجال اهتمام الدولتين.
في المحصلة، تُظهر قراءة الاتفاق وسياقاته أن أذربيجان حققت أكثر مما كانت تنتظر، بينما خسرت أرمينيا بالحرب ما كان في وسعها تجنبه لو قبلت بالتفاوض قبل اندلاع المواجهات. ومع ذلك تبقى احتمالات تجدّد النزاع بين أرمينيا وأذربيجان مفتوحة، كون التسوية جاءت أقرب إلى ترحيل الحل، وفق نمط تسويات الحد الأدنى، القائمة على التهدئة المرحلية، وليس الحل النهائي.