الذاكرة الحضارية والظاهرة الاستبدادية

الذاكرة الحضارية والظاهرة الاستبدادية

11 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

يأتي تناول صاحب المقالة الكتابات المختلفة عن الظاهرة الاستبدادية ضمن رؤية نقديةٍ واسعةٍ، تحاول أن تقف على التصوّرات المعاصرة فيها، والتعامل معها تشريحا وتشخيصا وتفكيكا ومواجهة، ذلك أن هذه الظاهرة، كما أكد الكاتب مرارا وتكرارا، تتطلب، في حقيقة الأمر، التعرّف إلى زوايا النظر المختلفة لها، وتلك المداخل في التحليل والتفسير لدى هؤلاء الكتّاب، بحيث نبرز مجهر الاهتمام لكل كتابٍ أو مقال، وكذا زاوية النظر التي من خلالها يعالج الكاتب الظاهرة الاستبدادية ومسالكها ومآلاتها، وذلك ضمن اهتمام تلك التأليفات، بمداخلها المنهجية المختلفة، والوقوف على إسهاماتها، بحيث يكون ذلك مقدّمة لتأسيس علم لدراسة الاستبداد، كما أشار إلى ضرورة ذلك المستشار طارق البشري. ومؤكّد أن البدء بالذاكرة الحضارية للظاهرة الاستبدادية والوقوف عندها يعدّ مدخلا مهما على تنوع أطروحاته المختلفة.

قدّم إبراهيم البيومي غانم رؤية مهمة في هذا المقام في كتابه "ميراث الاستبداد" (نيو بوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 2018). يتحدّث أن الاستبداد "ميراثٌ ثقيلٌ في تاريخ كل المجتمعات قديما وحديثا، وهو ميراث ثقيل من حيث حجمه المتراكم عبر قرون، ومن حيث أسبابه المتشعبة والضاربة في مختلف جوانب الحياة، ومن حيث نتائجه ومآلاته التي دمرت عمران الحضارة الإسلامية، وأسهمت، قبل ذلك وبعده، في تكبيل إرادة الأمة، وفي سلب الحرية، وجعل البلاد نهبة لقوى الاحتلال، والسيطرة الخارجية، وللفشل على يد قوى الفساد والطغيان والمظالم الداخلية"، تلك العبارة المفتاحية التي نُقلت هنا ببعض التصرّف في حديثها عن ذاكرة الاستبداد وميراثه إنما تشكّل مفتاحا مهما في هذا السياق، وهو ما جعل الكاتب يرجّح أن علة العلل كامنةٌ في "أصل الدولة بمفهومها الحديث الوافد إلى بلادنا أكثر من كونها كامنة في بيئتنا أو ثقافتنا أو موروثات مجتمعاتنا". وعلى الرغم من أن هذا المدخل يحدّد عظم مسؤولية الدولة الحديثة عن تلك الحالة الاستبدادية، إلا أن ذلك لا يمنع من التأكيد، في الوقت نفسه، أن موروثات في ذاكرتنا الحضارية قد يسّرت لهذه الظاهرة واستمرارية قابلياتها في الدولة الحديثة؛ ما يجعل حجم المسؤولية وطبيعتها أمرا مشتركا بين ما وُرث وما وفد. ولم تكن الدولة الحديثة، في تطوراتها ومآلاتها، حلا لأزمة السياسة في مجتمعاتنا، بل إن "مفهوم الدولة ذات السيادة المتعالية على المجتمع وجماعته شكل بيت الداء وأصل البلاء وأن هذه الدولة الوافدة معرضة للانقطاع".

لقد صكّ غانم مفهوما متميزا حول ما سماها "الدولة المنقطعة" كمفهوم مركزي يساعد على محاكمة ما آل إليه مفهوم الدولة الحديثة وميراثها الذي تركته في حاضر مجتمعات الأمة، وفي مستقبلها، ضمن حالة التشبث لهذه الدولة بشكلها الحالي، بالبقاء معاكسة لموجبات الانقطاع والفناء، بعد ما صادفها من انفصال جسمها عن مجتمعها ونفوذ أجسامٍ أخرى فيه ففصلته، بل إن هذه الدولة الحديثة، بشكل أو بآخر، قد تسببت في وقوع أزمات ومعضلات وانتكاسات كبرى كثيرة.. ولم تستطع إنجاز أي من الوعود التي وعدت وقامت من أجل تحقيقها.

افتقرت النخبة، العسكرية خصوصا، إلى الشرعية السياسية والاجتماعية، واستنادها، في بقائها في سلطة الحكم، إلى الدعم الأجنبي والقوة الطاغية المجرّدة من القانون والأخلاق 

ومن العجيب في هذا الشأن أن ترى أن النقد الذي مورس لم يتجّه بأي حال إلى علل استبداد كامنة في هذه الدولة، أو كشف آليات إخفاقها في تحقيق أهداف المجتمع وتطلعاته، أو كثير من سياساتها الفاشلة، أو تبنياتها الخاطئة واستراتيجيتها الطاغية، بل استعاض بعضهم عن هذا الموقف بتقديم نقد واسع، خصوصا من هؤلاء الذين تبنّوا مفهوم الحداثة الغربي وعمليات التحديث، فتوجّهوا بتقديم سهام النقد إلى المجتمع ذاته، أو فئات وجماعات منه، أو إلى ذاكرته الحضارية التي شكلت عائقا مركزيا ممثلةً في تراثه وكل ما يتعلق بثقافته. وبدا الأمر وكأنها حرب طاحنة بين ثقافة تقليدية سائدة وأخرى مدنية حديثة صاعدة، وكأن المجتمع، في معظم تكويناته وفئاته وجماعاته، هو أصل الداء وأساس المشكلة، من دون النظر إلى أن الدولة الحديثة قد حاولت، بشكل أو بآخر، في إطار طغيانها، أن تتغوّل على ساحات (ومساحات) المجتمعات وأنشطتها وفاعلياتها، ظنا منها أن حركة المجتمع هي بالخصم من قوة الدولة، وأن فاعلية المجتمع كأنها تسحب البساط من الفاعليات المناطة بالدولة، وهي أمور تحتاج إلى كثير من مراجعة؛ والتأكيد على أن المسألة قد برزت، في النهاية، وكأنها ممارساتٌ أدّت إلى أن تكون "الدولة ضد الأمة" استعارة من عنوان لكتاب أستاذنا برهان غليون، في محنةٍ تمكّنت من علاقة الدولة بالمجتمع معا.

ولعل إشكالية الدولة في علاقتها بالمجتمع وبالاجتماع السياسي العام قد برزت في كتابات كثيرة، حينما اعتمدت مدرسة التاريخ الاجتماعي خطا مهما يتعامل مع الذاكرة الحضارية بالاعتبار الضروري اللازم، والتقدير العلمي الواجب، بالتزام الموضوعية والاستقامة العلمية، حينما اعتمد مفهوما يتعلق بأن الدولة لا تنفكّ عن مجتمعها أو ثقافته السائدة، في إطار كتاب برتران بادي المبكر عن "سوسيولوجيا الدولة"، وهو ما حدا به أن يتحدّث، في كتاب آخر، ألحقه بذلك الأول، عن "الدولتين" نموذجين مختلفين في الاجتماعين السياسيين، الغربي والإسلامي. وتوّج ذلك بكتاب ثالث عن "الدولة المستوردة"، والذي أسس لمعانٍ مهمة، تتعلق بتصورات الدولة الحديثة عن ذاتها، وعن مجتمعاتها، والتي ظلت، في هذه الحال، ترتبط بأشكال من الإدارة، عمّقت مفهوم الدولة المركزية وتضخيمه في العالم العربي، والتي أكد عليها في كتابين مهمين نزيه نصيف الأيوبي. وهو ما فطن إليه تيموثي ميشيل، حينما كتب كتابه "استعمار مصر"، إذ ورثت الدولة الحديثة في العالم العربي الدولة الاستعمارية أكثر مما شكلت دولة حديثة عصرية. وبات هذا الأمر كله تجتمع فيه الخطوط والخيوط لطبعة مستجدة ومستأنفة في آن واحد لدولةٍ طاغيةٍ متغوّلة مستبدة.

برزت إشكالية الدولة في علاقتها بالمجتمع وبالاجتماع السياسي العام في كتابات كثيرة

وأول الدلائل الواضحة على ذلك كله انفصال النخبة الممسكة بسلطة الدولة وسيادتها عن السواد الأعظم من أبناء المجتمع، وسوغت بذلك انفصال الدولة عن المجتمع انفصالا شبه تام، حتى أنه يصدق عليها، كما أكد غانم، أنها "دولة تعيش في خواء اجتماعي من منظور الارتباط النفسي للمجتمع بالدولة، وبلغ هذا الانفصال درجة غير مسبوقة في أغلب الدويلات النفطية". وفي مقام آخر، افتقرت النخبة، والعسكرية منها خصوصا، إلى الشرعية السياسية والاجتماعية، واستنادها، في بقائها في سلطة الحكم، إلى الدعم الأجنبي، وإلى عنصر القوة الطاغية المجرّدة من القانون والأخلاق معا، وصرنا نعيش بين قرنين؛ قرن لقيط، وآخر أبتر يمكن أن يلخص الأمر الذي يتعلق بعلاقة الدولة الحديثة، وما أفرزته من نخب في عالمنا العربي بمجتمعاتها.

لقد أدّى ذلك كله إلى إحجام عموم في المجتمعات عن الاهتمام بقضايا المجال العام، والتخلي عن المسؤولية المجتمعية، والعزوف شبه الكامل عن المشاركة السياسية الحديثة بشكل واع وطوعي وفعال. وبقي هذا المجال حكرا مغلقا على النخب الحاكمة الضيقة والمغلقة، منفصلة عن أدوارها ووظائفها ومقطوعة عن السواد الأعظم والثقافة السائدة وأحوال المجتمع. وبات الأمر ينتقل من فشل إلى فشل، ومن استبداد احتضنته بيئة الفساد، وصارت الدولة الحديثة وَهماً وأسطورة أكثر من كونها واقعا أدّى إلى انتقال البلاد من زمن إلى زمن؛ وهو ما حدا بطارق البشري أن يقدّم نقدا مهما لمفهومي الحداثة والمعاصرة.