الديمقراطية الأميركية في خطر

30 سبتمبر 2020
الصورة

سيحبس العالم كله أنفاسه ليلة الاقتراع الرئاسي الأميركي يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ترقبا لما سيأتي بعدها، لأن النتيجة في كلتا الحالتين لن تمنع من توقع الكارثة، سواء في حالة خسارة الرئيس الأميركي نتائج الاقتراع ورفضه الإعتراف بهزيمته، أو في حال فوزه بولاية ثانية حتى لو كانت مستحقة، لأن كل محاولاته تقويض أسس الديمقراطية التي بدأها في ولايته الأولى ستجعلها تتحلّل بطريقة تلقائية، إلى أن تصبح صورة مشوهة لا تشبه في شيء قيمها ومبادئها التي قامت عليها. 

كل الأخبار الواردة من أميركا، على مقربة من يوم الاقتراع التاريخي، تلمّح إلى أن ديمقراطيتها في خطر. ويكفي تصفح الإنترنت سريعا وقراءة عناوين افتتاحيات كبريات وسائل الإعلام العالمية، لنجد أنها تكاد تتفق على أن الديمقراطية الأميركية مهدّدة، وهذه المرة ليس من أعداء من الخارج، وإنما من رئيس هذه الديمقراطية نفسها. الساعي إلى تثبيت نفسه رئيسا استبداديا على قمة أقوى دولة في العالم، إلى درجة أن كتّابا أميركيين كثيرين باتوا يطرحون سؤالا محيرا، لم يخطر على بال أحد من قبل: هل سيغادر؟. .. وليس غريبا أن يختار كاتبٌ مثل لورانس دوغلاس، أستاذ القانون في جامعة ماساتشوستس المرموقة، هذا السؤال المستفز عنوانا لكتابه الصادر قبل شهور.

ما فعله ترامب، طوال السنوات الأربع الماضية، هو التدمير البطيء للديمقراطية الأميركية من الداخل

ليس هذا السؤال مجازيا ولا اعتباطيا، بالنظر إلى تصرّفات الرئيس ترامب وقراراته وتصريحاته التي تجعله يستعد من الآن للطعن في نتائج الانتخابات المقبلة إذا لم تكن في صالحه. لذلك بادر إلى انتقاد طريقة التصويت عبر البريد، معبّرا عن مخاوفه من أن يستغلها الديمقراطيون لتزوير نتائج الإقتراع. وفي الوقت نفسه، شجّع مؤيديه على التصويت المزدوج باستعمال الاقتراع عن طريق البريد، في دعوة صريحة إلى التلاعب بطريقة التصويت تلك التي يشكّك في نزاهتها! وتردّد أكثر من مرة في الإعلان أمام الملأ عن نواياه في حال خسارته الانتخابات، تاركا الشك سيد الموقف حيال مسألة مبدئية وحيوية، وهو يدرك مخاطر عدم الوضوح في مثل هذه المواقف التي لا تقبل التردّد أو المزايدات. وسارع إلى الإعلان عن تعيين قاضية محافظة في المحكمة العليا التي تشكل ركيزة الديمقراطية في الولايات المتحدة، كما لو كان يتوقع فعلا أن معركة الرئاسة ستنتهي أمام هذه المحكمة، لضمان بقائه في البيت الأبيض أربع سنوات أخرى، فهو، بطريقة واضحة وصريحة، يطعن من الآن في نتائج الإنتخابات، إذا لم تكن في صالحه، وذلك حتى قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الإقتراع، ومثل هذا الأمر لا يحدُث حتى في ديمقراطيات "جمهوريات الموز"!

فوز ترامب بولاية ثانية سيكون لا محالة نهاية الديمقراطية، ليس في أميركا فقط، وإنما في العالم

يبدو ترامب اليوم مثل رجل طوارئ، يضع كل الخطط البديلة والمحتملة لضمان استمراره في البيت الأبيض بأي ثمن رئيسا استبداديا بصلاحياتٍ واسعة، لا أحد يستطيع أن يحد منها. وتخطيطه هذا لم يبدأ عشية الانتخابات الحالية، فهو اعتمد، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، قاموسا لغويا تحقيريا سلاحا فتاكا لتدمير كل خصومه. أكثر من استعمال وصف "الأخبار الزائفة" و"الأخبار التافهة" للطعن في مصداقية الإعلام الذي ينتقده. ولا يتردّد في توظيف كلمات مثل "خدعة" و"احتيال" و"انتقام" لنزع الشرعية عن كل مبادرات خصومه الديمقراطيين التي تسعى إلى إطاحته. ولا يتردّد في تحقير خصومه، وفي استعمال عباراتٍ قدحيةٍ لتحطيم أقرب مساعديه، عندما يستغني عن خدماتهم بطريقة مهينة. رئيسٌ فجٌّ، سلاحه المدمّر هو لسانه الحادّ الذي يوظفه في حروبه الكلامية التي لا تنتهي. كل تصريحاته المستفزّة وقراراته المرتجلة تطعن في التقاليد الديمقراطية المرعية في بلده منذ تأسيسه قبل قرنين ونيف، لزرع الشك في كل أسس النظام الديمقراطي قبل الإجهاز عليه نهائيا. 

ما فعله ترامب، طوال السنوات الأربع الماضية، هو التدمير البطيء للديمقراطية الأميركية من الداخل، بدأ بمهاجمة الصحافة ووصفها بأنها عدو الشعب، وهاجم القضاة الفدراليين الذين أبطلوا قراراته، وجيّر القانون لصالحه، وسيّس إنفاذه عندما كان في غير مصلحته، وانتقد علانية أجهزة المخابرات، وأقال صقورها وهاجمهم علانية، ولم تسلم المؤسسة العسكرية من لسانه الذي طاول حتى ضحاياها في قبورهم، وهزئ بطريقة سمجة من معطوبي حروبها. ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض، تبنّى سياسات عنصرية ضد المهاجرين، واعتقل أطفالهم داخل أقفاص حديدية في مطارات بلاده، وأدلى بتصريحاتٍ عنصريةٍ ضد مواطنيه، بسبب لون بشرتهم أو عرقهم، ومدح علنا حكّاما مستبدّين وسارع إلى التقاط الصور معهم، وقرّب منه آخرين مجرمين، وقدّم لهم الحماية من القانون الذي سيظل يلاحقهم بسبب جرائمهم. وحتى عندما اندلعت أحداثٌ عرقيةٌ في بلاده، لم يسع إلى احتوائها، وإنما ساعد، بتصريحاته وتصرّفاته، في تعميق الانقسامات داخل صفوف المحتجين وإغراق بلاده في فوضى عارمة إلى درجةٍ أصبح معها الشك ينتاب بعضهم من أن كل هذه القرارات والإجراءات التي تبدو عشوائيةً تندرج في سياق خطة مدروسة لنزع الثقة من المؤسسات الشرعية وزرع الفوضى داخل المجتمع الأميركي.

نجح ترامب حتى قبل أن تجري الانتخابات في زرع الشك والإرتباك في نفوس الناس بأن نتائجها، في كل الحالات، قد تكون مزوّرة

وإذا كان ترامب قد نجح في شيءٍ ما، فهو استطاع أن يقسم الأميركيين إلى مؤيدين له ومناوئين لسياساته. شخص بغيض وخبيث ووقح، لا يهمّه سوى شخصه وأناه المتضخّمة، ومع ذلك يجد بين الأميركيين أنصارا له. لذلك معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون ما بين فسطاطين، أنصار الديمقراطية وأعدائها، وهو ما يضع الديمقراطية الأميركية على المحكّ. وليس غريبا أن يحذّر الرئيس السابق، باراك أوباما، من أن خلفه الحالي مستعد "لتمزيق ديمقراطيتنا إذا كان هذا هو ما يتطلّبه الفوز"!

لقد نجح ترامب حتى قبل أن تجري الانتخابات في زرع الشك والإرتباك في نفوس الناس بأن نتائجها، في كل الحالات، قد تكون مزوّرة، وهذا هو الإعتقاد الذي سيسود لدى مؤيديه في حالة خسرانه، ولدى معارضيه في حالة فوزه، وهو بذلك يضع الأميركيين أمام حالة انقسامٍ حادّ لا أحد يمكنه التنبؤ بتبعاتها. وهذا ليس هو السيناريو الأسوأ، لأنه لا يمكن تخيل ما الذي يمكن أن يُقدم عليه ترامب في حال فوزه بولاية ثانية، ستكون تلك لا محالة نهاية الديمقراطية، ليس في أميركا فقط، وإنما في العالم بأسره.