الدولة الفلسطينية بين خديعة أوسلو والاعترافات الجديدة

16 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:52 (توقيت القدس)
+ الخط -

تذكّر الاعترافات الدولية المتوالية الحالية بدولة فلسطين بالموقف الرسمي الدولي إبّان اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. ذلك الموقف الذي قاد في نهاية المطاف إلى مسار "أوسلو" (1993)، وما تبعه من تبريد الساحة الفلسطينية، وإخماد الانتفاضة، وفتح الباب واسعاً أمام إسرائيل لتحظى باعترافاتٍ دولية، وعلاقات طبيعية مع دول أفريقية وآسيوية ولاتينية، وهيأ لها المجال لتطبيع علاقاتها مع دول عربية، وإنشاء مكاتب تمثيل تجاري أو دبلوماسي في بعضها الآخر، وأتاح لها اختراق الأمن القومي العربي. ولم يحصد الفلسطينيون من هذا المسار إلا بضع أوراق وحبراً، ووهماً امتد أكثر من 30 عاماً بإقامة دولة فلسطينية، وسلطة بلا سلطة، ومقاطعة لا يستطيع رئيسها حتى أن يغادرها إلا بإذن إسرائيل.

كان اتفاق أوسلو، الذي ظنّه فريق من الفلسطينيين وسيلةً لإقامة دولة، أبعد طريق من التحرّر. وكان من أسباب الانقسام الفلسطيني الكبير، ليس على المستوى الفصائلي فحسب، بل على المستوى الشعبي أيضاً. بل حوّل الاتفاق جزءاً من المجتمع الفلسطيني، الذي كان متحّداً قبل الاتفاق خلف البندقية، ومبدأ المقاومة والحركات التي تقودها حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي ووالجبهة الشعبية وغيرها... إلى اختلاف حول الجدوى من استمرارها، وانحياز بعضهم إلى منطق السلطة الذي قاد، في النهاية، إلى تنسيق أمني مع الاحتلال، وملاحقة المقاومين، وتفكيك العبوات المعدّة لجنود الاحتلال، وانتظار تحويلات الضرائب التي يجمعها الاحتلال من الفلسطينيين ليردّها إليه بعد منع أو معاناة واقتطاعات ضريبية. مع فشلٍ في وقف التوسّع الاستيطاني، أو منع انتهاك إسرائيل مناطق السلطة، بما في ذلك مركز قيادتها في رام الله.

كان اتفاق أوسلو، الذي ظنّه فريق من الفلسطينيين وسيلةً لإقامة دولة، أبعد طريق من التحرّر

لم يكن أثر الاتفاقية سالباً على الوحدة الوطنية الفلسطينية فقط، بل على الموقف الدولي من القضية، وتراجع مقاطعة إسرائيل. فعلى وقع مفاوضات أوسلو، ومؤتمر مدريد للسلام (1991)، اللذَين أفضيا إلى اتفاق أوسلو، تحوّلت العلاقة بين الهند والكيان الصهيوني من تمثيل منخفض بدأ في بداية خمسينيّات القرن الماضي، إلى تعاون دبلوماسي وأمني واستراتيجي، وعلاقات طبيعية كاملة عام 1992. وتعاون البلدان في مختلف المجالات، وأصبح التعاون العسكري بينهما معلناً، ولو بشكل تدريجي، بعد أن كان سرّياً حرصاً على عدم تضرر علاقة نيودلهي بالعواصم العربية. كما تطوّرت العلاقات الصينية الإسرائيلية بوتيرة أسرع، بما في ذلك التعاون التكنولوجي والعسكري. لقد أدّت الاتفاقية إلى موجة اعتراف دولي بإسرائيل، وفتحت الباب لأكثر من 35 دولة آسيوية ولاتينية وأفريقية للتطبيع الكامل معها في خلال سنوات محدودة، فتمكّنت من التغلغل في أفريقيا وآسيا، وأصبحت لاعباً مهمّاً في مناطقَ تؤثّر في الأمن القومي العربي. وخلاصة الأمر أن إسرائيل أخذت كل شيء مقابل وعد كاذب مرّ عليه أكثر من ثلاثين عاماً بإقامة دولة. ثلاثون عاماً مرّت، أعطت السلطة إسرائيل فيها ما أرادت، وتسبّبت (حين وقّعت الاتفاق) في تقليص اهتمام العالم الإسلامي بالقضية الفلسطينية، وفتح الباب أمام إسرائيل لتطبيع علاقاتها مع الأنظمة العربية والاندماج معها، بل والتحوّل حليفاً استراتيجياً مع بعضها.

كان كثيرون من العرب، ومن الفلسطينيين، يدركون منذ بدأت مفاوضات أوسلو أن إسرائيل والراعي الأميركي لا يمكن أن "يمنحا" الفلسطينيين دولة. لكن آخرين تجاهلوا تلك الحقيقة حينها، فربّما أراد بعضهم التخلّص من عبء القضية الفلسطينية، أو انخدع آخرون بإمكانية أن يقبل الإسرائيليون اقتطاع أجزاء من المناطق التي احتلوها "والتنازل" عنها بسهولة للفلسطينيين. وربّما توهّم غيرهم أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون صادقةً فتلتزم بإجبار إسرائيل على القبول باتفاق "يمنح" أصحاب الأرض دولةً، ولو كانت بلا حدود أو سيادة. في ذلك الوقت، كان أكثر سكّان فلسطين (مسلمين ومسيحيّين) يعلمون أنهم أمام خديعة واضحة، وأن إسرائيل وحلفاءها أرادوا فقط القضاء على الانتفاضة الأولى، ومنع اندلاع أيّ انتفاضة لاحقة.

قيام دولة فلسطينية أصبح مستحيلاً بالنسبة للإسرائيليين في الوقت الحالي

حين نقارن ذلك الوضع القديم بتوتّراته، والأسباب التي قادت إلى "أوسلو"، بالتضحيات الحالية التي قادت إلى هذه الموجة من الاعترافات بدولة فلسطينية، نجد تشابها واضحاً بين حالة النبذ التي يعيشها الكيان الصهيوني حالياً في إثر حرب الإبادة التي يرتكبها في غزّة، وحالة العزلة الدبلوماسية التي عانى منها في ثمانينيّات القرن الماضي، نتيجة الانتفاضة وقبل اتفاق أوسلو. غير أن الأخطر على الكيان هذه المرّة أن التحرّك ضدّه شعبي، ويتعلّق بسرديّته، ويهدّد مستقبله في العالم الغربي الذي دعمه وكان سبباً في وجوده. ومن ثمّ، يجب أن تأخذ النظرة إلى الاعترافات المتتالية بدولة فلسطينية التي يضع أغلبها شروطاً ولا يعطي حقوقاً بالاعتبار أن ما يحدث حالياً من بعض الدول على الأقلّ، خصوصاً التي عرفت طوال تاريخها بدعم إسرائيل أو التسبّب في أصل المشكلة الفلسطينية (إنكلترا وفرنسا وغيرهما)، قد يكون محاولةً لوقف نزيف الغضب الشعبي العالمي ضدّ الكيان الصهيوني، ومحاولة من تلك الحكومات التحايل على شعوبها بخطوات شكلية لتخفيف الضغط عن نفسها، وإبقاء التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل كما هو.

لكن المقارنة بين الموقفين الشعبي والرسمي في دولة الاحتلال من وجود دولة فلسطينية تُظهر أن قيام دولة فلسطينية أصبح مستحيلاً بالنسبة للإسرائيليين حاليا. فبينما تعكس استطلاعات نشرها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 2012، انقسام المجتمع الإسرائيلي في تسعينيّات القرن الماضي (بالتساوي تقريباً) حول دعم مسار "أوسلو" وحلّ الدولتَين، فضلاً عن تمرير الاتفاقية بصعوبة في الكنيست بموافقة 61 عضواً في سبتمبر/ أيلول 1995، فإن استطلاعات نشرها المعهد نفسه في 30 الشهر الماضي (سبتمبر) تكشف رفضاً إسرائيلياً كبيراً جدّاً لإقامة دولة فلسطينية، إذ رأى 78% من يهود إسرائيل أن المصلحة القومية لإسرائيل تحتّم عدم قيام دولة فلسطينية، مقابل 13% فقط ترى العكس، و9% لم يقرّروا. وتتفاوت هذه النسب إذا تحدّثنا عن موقف المعسكرات السياسية، إذ تتصاعد نسبة من يرون خطورة قيام دولة فلسطينية على الأمن القومي الإسرائيلي، ويرفضون وجودها، وهي في أوساط اليهود في اليسار 47%، والوسط 64%، واليمين 90%. ويصبح هذا الرفض أوضح إذا تعلّق الأمر بمبدأ قبول وجود الدولة الفلسطينية نفسه بغض النظر عن تأثيره في الأمن القومي للكيان الصهيوني، مع مقارنته بنتائج العام الماضي حسب التيار السياسي. ففي اليسار تراجع القبول بالمبدأ من 73% العام الماضي، إلى 57% حالياً، وفي الوسط تراجع من 39% إلى 24%، أمّا في اليمين فتراجع القبول بالدولة الفلسطينية من 12% العام الماضي، إلى 8% فقط حالياً. وتعني هذه النسب أن ما يقرب من ثلاثة أرباع يهود إسرائيل يرون أنه يجب ألا تكون للفلسطينيين دولة.

الترحيب بالاعترافات بالدولة الفلسطينية يجب ألا يحرف الأنظار عن الاحتلال والجرائم المستمرّة

وتنسجم تلك النسب مع الميل الشعبي المتزايد نحو اليمين في الكيان الصهيوني منذ أكثر من عقدَين، حتى إن نتائج استطلاعَي رأي أجرتهما (30 سبتمبر) القناة "i24" والقناة "13" تعطي قوى اليمين 88 (أو 84 مقعداً)، لو أجريت انتخابات الكنيست الآن، ما يعني أن تمثيل اليمين في الكنيست قد يتراوح بين 70 – 74%. بل إن هناك احتمالية أن يبقى نتنياهو في السلطة وفق استطلاعات تعطي حزبه 33 مقعداً، وأن يحصل ائتلافه على 63 مقعداً. وهذا يؤكّد أن ما يعول عليه بعض العرب أو السلطة الفلسطينية من مرونة الموقف الإسرائيلي تجاه حلّ الدولتَين هو محض سراب.

وإذا كان الموقفان، الشعبي والرسمي، في إسرائيل لم يعودا يقبلان بمجرّد مبدأ وجود دولة فلسطينية، ويرفضان بأغلبية كبيرة حلّ الدولتَين، فإن الجمهور الفلسطيني الذي توقّع في السابق أن مسار السلام مجرّد خديعة، وأن حلّ الدولتَين ولد ميتاً، باتت غالبيته العظمى تتفق على ضرورة التخلّي عن هذا المسار، الذي عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي، وزرع الانقسام بين الفلسطينيين، وأعطى لإسرائيل كل شيء لم تكن لتحصل عليه لو استمرّت حالة المقاومة. وعلى هذا الأساس، فإن الترحيب بالاعترافات الدولية بدولة فلسطين لأنها تشكّل ضغطاً على إسرائيل، ينبغي له ألا يحرف الأنظار عن كشف جرائم الاحتلال، وأن يترسّخ في الأذهان أن الشعب الذي فرّقته مسارات السلام الكاذبة، لن توحّده سوى فكرة المقاومة، وأن الدولة التي تمنح على الورق لا تقام على الأرض، ما لم يكن وراءها شعب يفرض وجوده بالمقاومة والإرادة.

أحمد الجندي
أحمد الجندي
كاتب مصري، أستاذ الدراسات اليهودية والصهيونية في جامعة القاهرة، له كتب ودراسات حول الملل اليهودية المعاصرة وأيديولوجيا تفسير العهد القديم.