الخيل والنساء

الخيل والنساء

04 مارس 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

أحببت الخيول حبا "عذريا". وكنا في الابتدائية نشهد، من خلال شبك باب المدرسة الحديدي، عرض الشرطة الصباحي، وكانت فيه خيول وشارات عسكرية. كان عرضا يشبه السيرك، وكانت مدرستنا تشرف على زريبة خيولٍ من الجانب الآخر، فكنت أقضي وقتي في الفرصة المدرسية، في النظر إلى الخيل، وكان اسمها فرصة. وفي سيرة الزير سالم، عندما يفقد ذاكرته يركب الحيطان خيولا.

وكانت المرّة الوحيدة عندما زرت جنوب الرَّد قريبا من حدود العراق، وكنت فتى جفرا، ووافقنا جمعا من فرسان إحدى القبائل يستعرضون خيولهم، فرآني أحدهم مسحورا بجوادٍ أبيض، له رأس جرادة، وقوائم زرافة، ووثبة هرّة برية، وشراع سفينة.

إنّه يخلب الأبصار، وكنت أظنُّ عنوان كتاب عبد السلام العجيلي "الخيل والنساء" بدعة، فإذا به مأخوذٌ من كلام لأم المؤمنين عَائِشَة، عندما رأت بَنَات طَارق اللاتي يقلن: "نَحن بَنَات طَارق/ نمشي على النمارق"، فَقَالَت أَخطَأ من يَقُول إِن الْخَيل أحسن من النِّسَاء، لقد كان قولاً شائعاً في العرب. قال أحدهم، وكان يكيد لي: فقال: أتركبه؟ قلت: يا لثارات كليْب. حذّرني، وقال: هذا فهد وليس حصانا. قلت: أركب.

وذُكر تفسير لكائنات السانتورس الإغريقية، وهو أنهم كانوا فرسانا لا يترجّلون، فقيل إنَّ نصفهم بشر ونصفهم خيول، وإنّه لمّا قتل دريد بن الصمة، وكان من فرسان العرب المعدودين، قتله رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السّلَمِيّ. قَالَ: فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا. قَالَ دُرَيْدٌ: بِئْسَ مَا سَلّحَتْك أُمّك! خُذْ سَيْفِي مِنْ وَرَاءِ الرّحْلِ فِي الشّجَارِ فَاضْرِبْ بِهِ وَارْفَعْ عَنْ الطعام واخفض عن الدّماغ، فإن كُنْت كَذَلِكَ أَقْتُلُ الرّجَالَ، ثُمّ إذَا أَتَيْت أُمّك فَأَخْبِرْهَا أَنّك قَتَلْت دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَرَبّ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْت فِيهِ نِسَاءَك! زَعَمَتْ بَنُو سُلَيْمٍ أَنّ رَبِيعَةَ لَمّا ضَرَبَهُ تَكَشّفَ لِلْمَوْتِ عِجَانُهُ، وَبُطُونُ فَخِذَيْهِ مِثْلَ الْقَرَاطِيسِ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ. وفي الخبر: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْفَرَسَ مِنَ الرِّيحِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تَطِيرُ بِلَا جَنَاحٍ. وفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ عَلَى آدَمَ جَمِيعَ الدَّوَابِّ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ مِنْهَا وَاحِدًا فَاخْتَارَ الْفَرَسَ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْتَ عِزَّكَ، فَصَارَ اسْمُهُ الْخَيْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَسُمِّيَتْ خَيْلًا لِأَنَّهَا مَوْسُومَةٌ بِالْعِزِّ، فَمَنْ رَكِبَهُ اعْتَزَّ بِنِحْلَةِ اللَّهِ لَهُ وَيَخْتَالُ بِهِ عَلَى أَعْدَاءِ الله تعالى. وسمي فرسا لِأَنَّهُ يَفْتَرِسُ مَسَافَاتِ الْجَوِّ افْتِرَاسَ الْأَسَدِ وَثَبَانًا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شي خبطاً وتناولا.

وكنتُ عشقت الخيول في أفلام الكاوبوي، وقرأتُ عنها في أشعار العرب، فأُغرمت بها، حتى أني كنت أهمز أي شيءٍ أركبه حتى المقعد المدرسي، حتى تدمى أعقاب قدمي الزير سالم.

ضحك الفرسان كيدا، وساعدوني على ارتقاء برج صهوته، وركبت، وقلت: يا خيل الله اركبي. .. وعندما ضغطت على الزناد، وانطلق بي الجواد إلى المعركة، وأنا أهتف: هبّي يا ريح الجنّة، انقذف وحلَّق ولم يعد يطأ الأرض، ونبتت له أجنحة، وفقد الجاذبية. الجواد ليس بحاجة إلى أجنحةٍ، قوائمه أجنحته، لم يكن حيوانا، كان رصاصة، مقذوفة منجنيق، حصاة مقلاع.

ضحكت لكني فكرت بعد حين أن أوقفه فوجدت أن فات أوان لجمه، وعقَّ، أشدُّ ساقي القصيرتين على بطنه فلا يجيب، فأرخيت له العنان، حتى ماج عُرف السحاب. ولا أعرف كم مضى من الوقت، والجواد يسابق أشباحا، ويعضُّ على اللجام، ويزأر ويزمجر، وأنا أتشبث بالعنان، حتى إني نويت أن أقذف بنفسي من فوق صهوته، فهو يمضي إلى سدرة المستحيل، وقد غشاني ما غشّى، لكني استسلمت للريح، ثم أني وجدت عاصفتين من الغبار تلحقان بي من اليمين والشمال، صانعتين وتريْن في مثلثين لفيثاغورث، حتى أدركني الفارسان ولجما الفهد الذي كان سيعدو حتى الموت، فأنقذوني من الموت خيلاء. توقفنا وسكنت العواصف الغبارية، وسدّت عين الشمس حتى غابت، ثم أشرقت من جديد. قال الفارس الأول: دخلت الأرض الحرام!

كنتُ دخلت الحدود العراقية، وبينها وبين المنطقة السورية منطقة محرّمة، تكثر فيها أعشاش الطيور والنباتات البعلية العذراء وزواحف الكومودو الكبيرة، حتى لتظننَّ نفسك في إندونيسيا. كبرت ولم أركب الخيل سوى تلك المرّة، وأتذكر عبرة خالد بن الوليد، وهو يندب موته على فراشه كما يموت البعير، فأعتبر وأبكي مثله، وأنا أُطعن بسنان إبرة لقحة كورونا، من حسناء ملثّمة محصّنة الثغر، فلا نامت أعين الجبناء.