الحوار الليبي وإعادة بناء مسار السلام

17 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

في ظل التطورات الجارية في ليبيا، يرتبط مستقبل العملية السياسية بسياق بعثة الأمم المتحدة في إعادة بناء السلطة الانتقالية، وخصوصاً ما يتعلق بطبيعة الحوار السياسي، وما يوفره من فرصة للوصول إلى الانتخابات في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021. وهنا، بدا تغير نظرة البعثة إلى بناء نظام انتقالي يقوم على التضامن الداخلي مثيراً للجدل، سواء بسبب إلغاء صلاحية المؤسسات في تعطيل المسار السياسي أو دعم الترابط بين مستويات حكومة الوحدة الوطنية، غير أن المسألة الأساسية تتعلق بمدى اقتراب الليبيين والأمم المتحدة من حماية النظام الانتقالي والوصول إلى حالة السلام.

مسار البعثة الدولية للحكومة الوطنية

دخلت البعثة الأممية للدعم في ليبيا، منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، مشوار الوصول إلى حكومة الوحدة الوطنية، وفتحت التداول في ملتقى الحوار السياسي بشأن صياغة الصلاحيات، ووضع ضوابط المرحلة الانتقالية الجديدة. وعلى الرغم من تحدّيات التراضي على صيغ قانونية، تمكنت البعثة من الوصول إلى الوثائق اللازمة لتكوين المؤسسات وتوزيع الصلاحيات، وبحيث تكون جزءاً من "الاتفاق السياسي الليبي". كانت البداية في وثيقة "خريطة الطريق .."، صلاحيات السلطة التنفيذية واختصاصات مكوناتها وطريقة اختيار شاغليها.

يشير استقراء مسار الحوار السياسي إلى وجود مشكلتين، اتساع الخلاف الدولي حول طريقة الوصول للوضع الدائم في ليبيا، وإطلاق سلطة الجهات التشريعية المؤقتة من دون أفق زمني

وقد شغلت صيغ الترشيح والانتخاب جانباً كبيراً من النقاش داخل ملتقى الحوار السياسي وخارجه. ونظراً إلى البيانات الكثيرة بين المكونات الليبية والمصالح الدولية، ظهرت أربعة مقترحات، وزادت لاحقاً إلى اثني عشر مقترحاً، تناولت كل الاحتمالات الممكنة للتصويت والتعبير عن تطلعات ملتقى الحوار والقوى وراءه. وعلى الرغم من صعوبات التعامل مع تكاثر البدائل ومحدودية عدد أعضاء الملتقى، يمكن النظر إليها كرياضة عقلية لتقليل فرص الاحتجاج والانسحاب، فقد جمعت ما بين الرغبة في هيمنة الانتماء المحلي ـ الإقليمي وبين الانتماء الوطني. ولذلك، ساهم توسيع الخيارات في الوصول إلى مرحلة الانتخابات، وتشكيل القوائم، حيث راكم مناخاً تفاوضياً استوعب التطلعات المتباينة لكل الديناميات الليبية.

وتتلاقى هذه الصيغ تحت مظلة إعادة تكوين الشرعية المؤسسية، فالحرص على تمثيل الجهات المتنازعة في كل مسارات التفاوض لا يعتبر أن نتائج الانتخابات التشريعية السابقة، 2012 و2014، تمثل المصدر الوحيد لمشروعية الوضع القائم، قد تكون مسارات الحوار السياسي منذ 2015 مقدّمة لاستيعاب تدهور تمثيل المؤسسات هيئة الناخبين، سواء في الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور أو مجلس النواب، حيث لا تتجاوز معدلات التصويت لتشكيل الهيئتين نسبة 8% من إجمالي أصوات الناخبين. لا تُعد هذه المعدلات كافيةً لاحتواء التباين السياسي أو لمنح تفويض للمضي في مشوار التحول السياسي عن نظام الجماهيرية والانتقال إلى التعدّدية السياسية.

ولأجل دعم سياق الحوار السياسي، نشأت مساراتٌ متزامنة لتحسين أداء السياسات العامة. على الجانب الاقتصادي، عبر مجموعة العمل الاقتصادية، وهي ذات إطار ليبي، يشمل ممثلي حكومة الوفاق والحكومة المؤقتة بجانب مشاركة دولية تشمل مصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بهدف مساعدة واضعي السياسات الاقتصادية الليبيين في متابعة سلة إصلاحات، كتوحيد الميزانية وتمكين المؤسسات من الموارد الاقتصادية، وسياسة لسعر الصرف والتجارة ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى المسارت الأمنية والعسكرية. وفي السياق نفسه، توافقت اللجنة الدستورية، 20 يناير/ كانون الثاني 2021، على إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات العامة في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، بحيث تكون مسودة الهيئة التأسيسية الصادرة في 29 يوليو/ تموز 2018 وتعديل المواد المتعلقة بالأكثرية اللازمة لاعتماد الدستور.

وفي السياق نفسه، حاولت رئيسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالوكالة ستيفاني ويليامز تبنّي خطابٍ يتقاطع مع تطلعات المكونات الليبية، وكان لديهام اهتمام بالمناسبات الخاصة مدخلاً لدمج المتباعدين مع العملية السياسية. في 13 يناير 2021، قدّمت ويليامز تهنئة للأمازيغ بمناسبة بدء السنة الجديدة، بما يعكس إدراكاً لأهمية إدماج الأمازيغ في الترتيبات الجارية، بعد مقاطعة استمرّت أغلب المرحلة الانتقالية، وذلك بالإضافة إلى تثبيت وقف إطلاق النار.

مرونة النظام الانتخابي

يشير استقراء مسار الحوار السياسي إلى وجود مشكلتين، اتساع الخلاف الدولي حول طريقة الوصول للوضع الدائم في ليبيا، وإطلاق سلطة الجهات التشريعية المؤقتة من دون أفق زمني. حاولت البعثة الأممية معالجة هذه الفجوة من خلال تكوين هيئة جديدة، لجنة ملتقى الحوار، تكون بمثابة الجهة الرقابية العليا في الدولة، وتكون اختصاصاتها فوق الجهة التشريعية، وهي المستقر الأخير للسيادة والقرار السياسي ووجهة منح الثقة للحكومة حلاً أخيراً.

سادت هذه التوجهات على مناقشات إعادة صياغة خريطة الطريق في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ما شكل بداية ملائمة لبدء النقاش بين مجموعة ليبية ممثلة للمؤسسات السياسية والمجتمع المدني والمستقلين، وفق صيغة أكثر تطوّراً عن لجنة الحوار وقت مداولات الصخيرات في العام 2015، حيث عملت على تحييد رؤساء الهيئات السياسية والحزبية. وبهذا المعنى، يكون الحوار السياسي قد تجنب أعباء الترابط بين الموقع السياسي وعضوية اللجنة. وعلى الرغم من صعوبات مسيرة ملتقى الحوار، تبلورت قواعد الحياد وتقليل أثر الضغوط من خارج الاجتماع للحفاظ على جسد اللجنة من الانفراط وفق عملية توازن تدرك التناقضات في ليبيا واختلاف المصالح الدولية، وتقليل تأثيرها على عملية اختيار الحكومة الجديدة.

المسألة الأساسية تتعلق بمدى اقتراب الليبيين والأمم المتحدة من حماية النظام الانتقالي والوصول إلى حالة السلام

وكان اللجوء لتكوين لجنة استشارية من 15 عضواً بهدف الخروج من الخلاف حول آلية اختيار الحكومة، توصلت إلى صيغة متدرّجة، في المرحلة الأولى، يتم اختيار كل إقليم ممثله في المجلس الرئاسي، بحيث يحصل على 70% من أصوات للمجمع الانتخابي الإقليمي. وفي حالة تعذّر حصول المرشحين على هذه النسبة، تبدأ جولة ثانية، يتم فيها تشكيل قوائم من أربعة مرشحين يمثل كل منهم إقليماً، وبطريقة تمنع الجمع ما بين منصبي رئاستي المجلس والحكومة، وبحيث تحصل كل قائمة على تزكية 17 عضواً. ويتطلب فوز القائمة الحصول على 60% في الجولة الأولى من المشاركين في التصويت، أو الحصول على الأغلبية البسيطة في جولة ثانية. تساعد هذه القاعدة في حل معضلة النسب الموصوفة أو المعطلة، فقد ظلت ليبيا أسيرة الخلاف حول التوافق بشأن شروط إجازة الدستور والقوانين، واشتراط موافقة المكونات الثقافية، الجماعات الإثنية، ما يشير إلى إمكانية بناء نظام انتخابي يوفر علاقة متوازنة بين الجهوية والوطنية.

وكما يعطي نظام القائمة مرونة لمعالجة الانسداد السياسي، فإنه يوفر قاعدة للتساند المتبادل ما بين المجلس الرئاسي والوزراء، بحيث يعملون كتحالف ومجموعة عمل واحدة، بحيث تكون تصورات رئيس الوزراء وشبكة علاقاته مرتكزاً أساسياً للمرحلة الانتقالية. وتبدو هذه الصيغة أكثر ملاءمة للوضع في ليبيا، عندما تعمل على تغيير ثقافة العمل من المحاصصة وتقاسم السلطة إلى المسؤولية التضامنية.

وبينما اعتمد حوار "الصخيرات" على مشاورات محدودة في تشكيل الحكومة، قامت، في جزء منها، على الإكراه النفسي، كان اختيار الحكومة في جنيف 2021 أكثر شفافية، فمن جهة، عملت على تكوين نظام علني لاختيار أعضاء الحكومة، والعمل على تحييد المؤثرات الخارجية على قاعة الاجتماعات، قدر الإمكان. ويسمح التغير في أداء البعثة الأممية بوجود استجابة لدى الليبيين في تحمُّل المسؤولية والالتزام بمخرجات الحوار.

تزايد إدراك الليبيين أهمية بناء الثقة الداخلية والقبول المتبادل، على خلاف سوابق بائسة ارتبطت بالحجرات المنفصلة واللقاءات غير المباشرة

وتتسم هذه الطريقة بنوع من الديناميكية، فهي، من جهة، تدعم التحفيز على المشاركة في التصويت، وتقطع الطريق على محاولات التدخل من خارج اللجنة أو الانسحاب. وبغض النظر عن اتساق الإجراءات مع التوجهات العامة للنظم الانتخابية، فإن تدارك الليبيين، لجنة الحوار، للعمل بها، يمثل سابقة يمكن تضمينها في النظام الانتخابي، وتغيير قاعدة الصوت الواحد غير المتحول التي أهدرت أغلبية الأصوات في انتخابات المؤتمر الوطني ومجلس النواب. ويمكن وصف السلم الانتخابي نوعاً من الانتقال الطبيعي نحو تجنّب المزايدات القائمة بالصراع بين مشروع الانتقال المدني والمشروع العسكري، وأيضاً، بسبب قلق الجماعات الإثنية والمكونات الثقافية.

اتجاهات التصويت

بعد انتهاء مرحلة التصويت الفردي ووضوح تشتت الأصوات، تم الانتقال إلى خيار الاختيار من بين القوائم. كان من الملاحظ أن استراتيجية الترشيح على تثبيت موقع رئيس المجلس الرئاسي للشرق الليبي، فيما يكون رئيس الوزراء من غرب ليبيا. وبجانب أهمية اتجاهات التصويت لقوائم، تشير النتائج إلى وجود طفرة في التصويت لقائمة محمد المنفي ـ عبد الحميد دبيبة، فبينما حصل أعضاؤها منفردين على إجمالي ثمانية أصوات في مرحلة الاختيار الفردي، فإنهم أيضاً، لم يشكلوا تنافسية محتملة، عندما حصل عبد الله اللافي على صوت واحد من إجمالي 37 صوتاً للمنطقة الغربية. شهد الانتقال إلى مرحلة القوائم تغيراً نوعياً في اتجاهات التصويت، حيث حصلت قائمة الدبيبة على 20 صوتاً، ثم أضافت إليها 19 صوتاً في الجولة الثانية، فيما زادت قائمة عقيلة صالح ـ فتحي باشاغا تسعة أصوات فقط. في الوقت الراهن، لا تساعد مؤشرات على تفسير اتجاهات التصويت. ولكن بالنظر إلى وجود اتجاه واسع إلى رفض رئيس مجلس النواب، يمكن القول بوجود نوع من التصويت العقابي ضد عقيلة صالح، لمساندته الحرب على العاصمة، ويمكن اعتبار هذا المؤشّر قوياً لدرجة عدم اختيار باشاغا لرئاسة الوزراء.

سياقات خارج الحوار

من اللافت أن تصميم سياق الحوار السياسي استطاع تحييد تأثير خليفة حفتر على دفع الأعضاء إلى الانسحاب والالتزام بوقف إطلاق النار. هذه النتيجة بسبب تضافر شفافية وانضباط نظام التصويت والتوافق الدولي على وقف الحرب والانتقال إلى السلام. في هذا السياق، يمكن فهم تصريحات حكومة شرق ليبيا تعبيراً عن القبول بنتائج حوار جنيف والحكومة. ولعل مشاركة عقيلة صالح تعزّز مناخ التعاون مع المرحلة المؤقتة، وتسمح ببناء الثقة بين المكونات الليبية المختلفة. ويمكن فهم بيان "القيادة العامة..."، 06/02/2021، على نحوٍ مماثل، لا يرفض العملية الانتقالية الجديدة.

ساهم توسيع الخيارات في الوصول إلى مرحلة الانتخابات، وتشكيل القوائم، حيث راكم مناخاً تفاوضياً استوعب التطلعات المتباينة لكل الديناميات الليبية

ويمكن النظر إلى طريقة التصويت على أنها شكلت حلاً وسطاً لخيارات الأحزاب والجماعات الإثنية والمواقف الأيديولوجية، ما بين فبراير/ شباط وسبتمبر/ أيلول، فتتلاقى هذه النتائج مع تبني "تحالف القوى الوطنية" تصوّراً للإقلاع عن الجهوية وتقاسم المناصب، حيث يرى التحالف، (25 يناير 2021)، أن مسار البعثة الأممية يمثل قاسماً مشتركاً لتطلعات الليبيين، ويمنح فرصة للوصول إلى الانتخابات في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. وهي سياقات "العدالة والبناء" في الوصول إلى تسوية عادلة، تضع حلاً يلبي المخاوف المترتبة على أزمة الثقة وتعزيز خيارات بناء الدولة سلمياً.

وبشكل عام، لم تكن الأطراف الخارجية بعيدة عن المشهد الليبي. ومنطقياً، لا يمكن استبعاد أثرها في النتائج الحالية، لكن اللافت، هذه المرة، تزايد إدراك الليبيين أهمية بناء الثقة الداخلية والقبول المتبادل، على خلاف سوابق بائسة ارتبطت بالحجرات المنفصلة واللقاءات غير المباشرة، والاعتماد على الوسيط في نقل الرسائل.

وتكمن القيمة المضافة لنتائج الحوار الحالية في جانبين؛ الأول، حيث تطور تركيبة المشاركين، فبينما اقتصرت على أعضاء مجلس النواب في غدامس (29 سبتمبر/ أيلول 2014)، فإنها لاحقاً توسعت لتشمل منظمات المجتمع المدني وشخصيات مستقلة وممثلين عن "المؤتمر الوطني"، بحيث تستقر نسبة أعضاء البرلمان عند 34% من مكونات لجنة الحوار. وترجع بدايات هذه المسيرة إلى مقترحات رئيس البعثة الأممية الأسبق طارق متري، وطورها غسان سلامة، حتى وصلت إلى شكلها الحالي، بحيث تعالج فجوة تمثيل البرلمان المجتمع وتنامي شبكات الفاعلين خارج السياقات الرسمية. أما الجانب الثاني، فهو ما يتعلق بوصول شخصيات لم تتورّط في الحرب الأهلية، ويمكنها بناء شبكات اتصال واسعة داخلياً وخارجياً. ولعل التحرّكات الأولية، سواء في سعي مجلس النواب إلى الانعقاد أو زيارة المنفي خليفة حفتر في بنغازي، تشير إلى إمكانية بناء سياق تواصل مع مختلف الأطراف وتجاوز التناقضات السابقة. وعلى الرغم من استمرار تشتت سلطة الدولة، فمن المرجح أن يوفر هذا السياق فرصةً لتلاقى الإرادة الداخلية والتوافق الخارجي على دعم المسار السلمي.