الحليف الاستراتيجي و"حرية التعبير"

13 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

قام الجنرال عبد الفتاح السيسي بزيارة "دولة" إلى فرنسا الأسبوع الماضي، استقبله خلالها حليفه الاستراتيجي، والذي يحلو له أن يعرّف عن نفسه كذلك، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. كما قابل رؤساء مجلس النواب ومجلس الشيوخ والحكومة ووزيرة الجيوش. واستضافته في مبنى بلدية باريس المرشحة المحتملة للحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة سنة 2022، رئيسة البلدية، آن هيدالغو.

زيارة الدولة عادة تكون أعلى الزيارات أهمية من الناحيتين، السياسية والبروتوكولية، وتتقدّم الزيارات الرئاسية التي تضم أيضاً في أنواعها زيارة العمل والزيارة الرسمية والزيارة الخاصة. وقد احتاج الإعلام الفرنسي للجوء إلى إعلام القاهرة للحصول على مقاطع مصوّرة تُظهر شدّة درجة الاحتفاء بالضيف الكبير الذي أقيمت له مأدبة عشاء احتفالية في القصر الرئاسي، وتم تقليده وسام الشرف من رتبة الصليب الأكبر. حيث اقتصرت تغطية هذه الاحتفالات، عدا اللقاء الرسمي، على الإعلام المصري، بحيث تم تغييب الإعلام الفرنسي، كما الأجنبي المعتمد في باريس، من دون إيضاح السبب. 

الدعم الفرنسي الواضح للنظام المصري القائم غير مشروط

عقد الرئيسان الصديقان اجتماعات عدة، ومؤتمرا صحافيا تبادلا فيه، من خلال الإجابة عن أحد الأسئلة، الهمزات واللمزات بخصوص نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم، بحيث بدا السيسي مدافعاً عن مشاعر المسلمين، وبدا الرئيس الفرنسي مرجّحاً حرية الإنسان في التعبير عن المقدس الديني. في المقابل، كان الانسجام واضحاً في مختلف المواقف، حتى ما يتعلق منها بحقوق الإنسان، والتي تعتبر المنظمات الحقوقية الفرنسية والدولية أنها الأشد انتهاكاً في تاريخ مصر. وعلى الرغم من الادّعاء أن الملف قد نوقش، كما في كل لقاء بين الحليفين الاستراتيجيين، إلا أن وصول مبيعات السلاح الفرنسي إلى الجيش المصري، منذ عام 2014، إلى مبلغ يتجاوز سبعة مليارات يورو، يضع ماءً كثيراً في نبيذ المواقف الفرنسية، على الرغم من الصرخات المتكرّرة لساكن قصر الإليزيه، والتي تشدّد على تمسّكه بقيم حرية التعبير. 

هذا الانسجام ترجمته إجابات ماكرون على من سأل بخصوص حقوق الإنسان، معتبراً أنه من شبه الكبائر أن يتم ربط بيع السلاح إلى مصر، كما المساعدات الاقتصادية المقدّمة إلى هذا البلد، بمدى احترام قيادتها حقوق الإنسان، فقد اعتبر أن "سياسة الحوار تبقى أكثر فاعلية من سياسة مقاطعة تُضعف من فاعلية شركائنا في مواجهة الإرهاب والمحافظة على الاستقرار الإقليمي". لأن هذا الربط بالنسبة للرئيس الفرنسي يمكن أن يُضعف قدرة الحكومة المصرية على مواجهة إرهاب الجماعات المتطرّفة. وقد ذكّر هذا التبرير بإجابة ماكرون نفسه عن سؤالٍ مماثل، إثر لقاء سابق مع السيسي سنة 2018، حين رفض حينها "إعطاء الدروس" في حقوق الإنسان لصديقه الجنرال. ومع ذلك، ذكر البيان الرئاسي الفرنسي أن المحادثات تطرقت إلى بعض القضايا المتعلقة بحجز حريات بعض الأفراد المصريين من الحقوقيين أو من العاملين في المجتمع المدني. كما صرّح ماكرون بأنه "سنحت له الفرصة للتطرّق، كما يتم الأمر بين أصدقاء يثقون ببعضهم بعضاً، وبكل صراحة، إلى مسألة حقوق الإنسان. وأظل المدافع الملحّ على ضرورة قيام الدولة المصرية بانفتاح ديمقراطي ومجتمعي، كما على الاعتراف بمجتمع مدني نشيط".

تُجمع التقارير الحقوقية على استهزاء النظام المصري بكل معايير حقوق الإنسان

الدعم الفرنسي الواضح للنظام المصري القائم غير مشروط إذاً. في المقابل، تُجمع التقارير الحقوقية على استهزاء هذا النظام بكل معايير حقوق الإنسان، والذي لا ينفكّ يزجّ مزيداً من المعارضين على مختلف انتماءاتهم في معتقلاته من دون محاكمة، والذي يخشى حتى من أن يتطرّق باحث إلى تفكيك سياساته الداخلية بشكل علمي، فتقتل قواته الأمنية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وتحبس الباحث المصري إسماعيل اسكندراني بتهمة الإرهاب، وتغيّب الأستاذ المصري في العلوم السياسية أحمد التهامي. لا يمكن أن يُفسّر هذا الدعم بالمصالح الاقتصادية حصراً، وإن اشترت الحكومة المصرية، بتمويلٍ من رعاتها الإقليميين، سلاحاً فرنسياً. إذ يبدو أن القناعة راسخة لدى صنّاع القرار في باريس بأنه يجب تبنّي الثورات المضادة في الدول العربية، فبالإضافة إلى أن ذلك يترجم نظرية عدم استحقاق الشعوب العربية الديمقراطية، وتفضيل إمساك تطلعاتها بنظم مستبدّة سعياً إلى مواجهة الإرهاب والحد من الهجرة غير المشروعة، وتحقيق استقرار موهوم، فهو أيضاً يساعد في مواجهة ما تعتبره باريس تمدّداً تركياً في منطقة المتوسط.

وفي إطار المواجهة مع تركيا، لا حرج لدى الإدارة الفرنسية من انتقاد ما تعتبره تسلطية سياسية تتعاظم في أنقرة بأقوى العبارات. ولا حرج في أن تّندّد الخارجية الفرنسية باعتقال معارضي الرئيس أردوغان، أو تتهمه بإخضاعهم لمحاكمات غير عادلة. في حين أن سياسة كمّ الأفواه والقمع المنهجي واعتقال ستين ألف معارض في مصر، لا تستحق إلا إشارات ودية في حديث جانبي مع حليف موثوق و"قطب استقرار". 

وقد اختتمت زيارة عبد الفتاح السيسي باريس باتفاق على ضرورة التعاون المشترك بين فرنسا ومصر لتحقيق الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب في ليبيا، والمقصود بذلك غالباً حكومة الوفاق. ولتتويج هذا التعاون، اتفق الطرفان على تشكيل جبهة سياسية مشتركة ضد تركيا في شرق المتوسط.