الحفاوة الأردنية بمدير "سي آي إيه"

14 يناير 2021
الصورة

ويليام بيرنز يتحدث أمام مجلس الشيوخ في واشنطن (6/3/2014/Getty)

+ الخط -

لم يبقَ غير إقامة بيوت شعر وذبح الإبل والشياه وإطلاق العيارات النارية، ابتهاجاً بترشيح وليام بيرنز مديراً لوكالة المخابرات المركزية، الأميركية (سي آي إيه)، فمن عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم، وهو عاشر الأردنيين وأكل من زادهم أربع سنين، سفيراً للولايات المتحدة، كعادة السفراء الأميركيين، فهو يقوم بدوره في التفاعل مع المجتمع ونخبه، ولا تقتصر علاقاته على المسؤولين ووزارة الخارجية. قلّ أن تجد إعلامياً أو سياسياً أو رجل أعمال لم يلتق به في دعوة عامة في المناسبات الوطنية الأميركية أو في الدعوات الخاصة. وهو لم يكن محصوراً في أسوار السفارة التي تعتبر من أكبر السفارات الأميركية في العالم، بل كان يجول في القرى والبوادي والأرياف. أكثر من ذلك، وبعد أن تقاعد من عمله الرسمي، كان نائبه في مركز أبحاث كارنيجي وزير الخارجية الأردني الأسبق، مروان المعشر، الذي اضطلع، إضافة إلى دوره في عملية السلام منذ مؤتمر مدريد، بمسؤولية "الأجندة الوطنية"، وهي محاولة من محالات الإصلاح السياسي الأردني التي تعثرت لأسباب داخلية وخارجية، وانتهى به الحال أقرب إلى المعارضة، أو على الأقل صنّفته الدولة كذلك، وعملت على تقويض مبادرته في تأسيس حزب سياسي ليبرالي، واعتبره الساسة المحافظون امتداداً لمشاريع سياسية خارجية، تهدّد الهوية الوطنية الأردنية. وفي إطار الحفاوة ببيرنز، أعيد إحياء مواقفه الرافضة صفقة القرن، وتصريحاته المساندة للأردن، باعتباره بلداً حليفاً تاريخياً موثوقاً للولايات المتحدة، يستحق الدعم السياسي في مواجهة نتنياهو، تماماً كالدعم الاقتصادي. 

للفرحة الأردنية ما يبرّرها، بعد السنوات العجاف لترامب الذي لم ير في المنطقة غير مصالح إسرائيل ومن سار في ركابها، ولم تكن عمّان من محطاته، ولا حتى محطة مفضّلة لصهره كوشنر، فالبلد فقير يأخذ ولا يعطي، وفق حسابات مطوّر عقاري صهيوني. لم يكن الخطاب الرسمي الأردني عن القضية الفلسطينية يعني له شيئاً، لا حل الدولتين ولا ضم أراضٍ فلسطينية، فضلاً عن اللاجئين والقدس.. كان الأردن بين نارين في تلك السنوات العجاف، ناري نتنياهو وحلفائه العرب الجدد، المتحمّسين للرؤية الصهيونية أكثر من كوشنر. حافظ الأردن، في السنوات العجاف، على علاقاته مع إدارة ترامب، وكذلك مع حلفائها في المنطقة، وخصوصاً الإمارات، وظل متمسّكاً بموقفه التقليدي من القضية الفلسطينية، ولم يتخلّ عن أبو مازن لصالح رجل الإمارات وكوشنر، محمد دحلان.

تصطدم الفرحة الأردنية بواقعٍ لا يمكن تغييره، فالإدارات الأميركية ليست في وارد فرض حلول على نتنياهو، أو من هم على يمينه. لكنهم في المقابل لن يفرضوا على الأردن صفقة القرن التي صارت جزءاً من إرث ترامب السيئ، أو الدول العربية المتحالفة مع نتنياهو، كما عبّر عن ذلك اتفاق الإمارات وما تلاه. ولم تعد عملية السلام أولوية أميركية، وذلك لغياب الشريك الإسرائيلي في المدى المنظور. أولوية الإدارة الأميركية في المنطقة هي إيران، وبيرنز هو من كلفه أوباما بالمفاوضات السرّية مع إيران التي مهدت الطريق إلى الاتفاق النووي. مهمة بيرنز السابقة واللاحقة ستجد اعتراضاً من أبرز حلفاء أميركا، إسرائيل من جهة والسعودية والإمارات من جهة ثانية. وهنا سيحتاج بايدن إلى مهارته الدبلوماسية في تهدئة الحلفاء.

في النهاية، لدى الإدارة الأميركية و"سي آي إيه" ما يشغلهما غير المنطقة، تواجه وكالة المخابرات الأميركية تحدّياً غير مسبوق في موضوع التدخل الروسي في الانتخابات، ومن نقاط قوة بيرنز عمله سفيراً في موسكو. وقد تكشف من هذا الملف رأس جبل الجليد، فبحسب كتاب مدير المخابرات الأميركية، جون رينان، الذي استقال في بداية عهد ترامب، الشبهات حول عمالة الأخير للروس جدّية. وهذا ملفٌّ يشكل أولوية للوكالة التي تعرّضت للتسييس، حماية للرئيس المعتوه الذي جاء بصديقه بومبيو مديراً لها، وظل يعمل ضد توصياتها وتقاريرها، سواء في دور الروس في أفغانستان أم قضية جمال خاشقجي أم دعم الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) في سورية. 

في خضم الانشغالات الأميركية في العالم، تظل الديمقراطية عاملاً مهماً في السياسة الخارجية الأميركية، وهو ما أعلنه بايدن بوضوح في مقاله عن سياسته الخارجية في مجلة فورين أفيرز، وما عبّر عنها مرشّحه لمستشار الأمن القومي في تعليقه على الحكم في قضية الناشطة السعودية لجين الهذلول. والديمقراطية مصلحة وطنية قبل أن تكون أميركية، على العكس كثيراً ما لعبت الديمقراطية ضد المصالح الأميركية. وهنا يمكن إحياء "الأجندة الوطنية" في الأردن، واستدعاء مروان المعشر لتفعليها مجدّداً، فعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذل فيها من شخصيات معتبرة من الاتجاهات كافة، إلا أنها تحوّلت إلى "سي دي" (قرص ممغنط) يمكن تشغيله على أجهزة الحاسوب القديمة، ما لم يتم استخدام تقنيات التخزين الحاسوبي. وهو ما يجيده المعشر، الحاصل على الدكتوراه في هندسة الكمبيوتر من جامعة أميركية.