الحريري نقطة تقاطع أم كبش محرقة؟

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

بعد ساعات قليلة على إعادة تكليف سعد الحريري تشكيل حكومة جديدة في لبنان، فاجأت وزارة الخزانة الأميركية الوسط السياسي بفرضها عقوبات إضافية على اثنين من قياديي حزب الله! هل هو تعبير عن عدم رضاها على عودة الحريري، أم إنه تحذير استباقي له، كي لا يقدم على ضم ممثلين عن حزب الله إلى الحكومة كما تكرر واشنطن منذ شهور، أو أن ذلك يدخل ضمن التجييش الانتخابي لحملة الرئيس ترامب قبل عشرة أيام من موعد الانتخابات الرئاسية، وكأن الشرق الأوسط (ولبنان) أصبح ناخبا أساسيا وحاسما في المواجهة مع المرشّح الديمقراطي جو بايدن. على أي أساس يعود الحريري، بعد أن اضطر للاستقالة قبل سنة تحت ضغط الشارع الذي انتفض في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ضد السلطة السياسية؟ وهل سيتمكّن من تأليف حكومة متحرّرة من سلطة الأحزاب ووصايتها ومشاركتها، كما أعلن هو شخصيا وكرر أكثر من مرة، علما أنه رشح نفسه للعودة الى رئاسة الحكومة باسم مبادرة الإنقاذ الفرنسية التي طرحها الرئيس إيمانويل ماكرون؟ أم أن التكليف يشكل نوعا من بوليصة تأمين لإيران وحزب الله في حال نجح ترامب في التجديد ولاية ثانية؟ 

يعود الحريري متبنّيا ورقة المبادرة الفرنسية التي أفشلها الثنائي الشيعي الذي عقد الحريري صفقة معه عليه!

لا تشكل إعادة تكليف الحريري مفاجأة بحد ذاتها بقدر ما تجسّد مجموعة مفارقات، وتعكس مجموعة تقاطعات حول اسمه، ما يجعل مهمته صعبة، ويحتاج إنجازها أقله إلى أسابيع. المفارقة الأولى أن عودته إلى السراي الحكومي عام 2016 جاءت نتيجة صفقة عقدها مع ميشال عون وحزب الله، وكان من المفترض أن تستمر طوال عهد عون، ولكن الحريري استقال محاولا كسب ثقة الشارع المنتفض. والآن يعود مدعوما بشكل أساسي من ثنائي "أمل - حزب الله"، المفترض أن يكونا من أشد معارضيه، فيما يقف عون وتياره ضد عودته. ويعود الحريري متبنّيا ورقة المبادرة الفرنسية التي أفشلها الثنائي الشيعي بالتحديد، بعد أن أرغم مصطفى أديب الذي كلف قبل الحريري على الاعتذار. في المقابل، يعود الحريري من دون تأييد حزب القوات اللبنانية، حليفه المسيحي الأساسي منذ انتفاضة الاستقلال الثاني في 2005، وبتربص من "التيار العوني" حليف حزب الله، والأقوى مسيحيا. كما أن المفارقة الأخرى اللافتة أنه لقي ترحيبا وتأييدا من معظم القوى المحسوبة على النظام السوري، والمنضوية ضمن فريق الممانعة، مثل تيار سليمان فرنجيه والحزب القومي السوري وآخرين. فكيف سيوفق بين المبادرة الفرنسية التي تقوم على أساس تشكيل حكومة مصغرة، تضم اختصاصيين ومستقلين عن الأحزاب وإصرار فريق ثنائي "أمل - حزب الله" على أن تسند حقيبة وزارة المال إلى شيعي، وعلى تسمية الوزراء الشيعة، وهذه كانت الأسباب الحقيقية التي دفعت أديب إلى الاعتذار. وماذا يفعل عندها إذا طالب الطرف المسيحي (عون وتياره) بأن يسمي بدوره الوزراء الذين يريد، علما أنه، بحسب الدستور، اختيار الوزراء هو من صلاحية رئيس الحكومة المكلف، بالتشاور مع رئيس الجمهورية. وهكذا يؤلف الحريري حكومة نسخة طبق الأصل عن حكوماته السابقة التي قامت على المحاصصة والمحسوبيات وتوزيع المغانم، والتي أوصلت البلد إلى شفير الانهيار والإفلاس، وثار عليها مئات آلاف اللبنانيين منذ سنة، وما زالوا، إلى درجة أن أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، انبرى يدافع عن السلطة، ويتوعد المنتفضين، متضامنا مع فريق الحكم، حتى أنه بات من الصعب التمييز بين أي من أركان الطبقة السياسية الذين تجمعهم معادلة الفساد مقابل السلاح. لذلك، بأي شروط، ووفق أي خطة سيحكم الحريري، وهل سيقبل أن يكون مجرد باش كاتب، وهل يضمن ألا يتحول كبش محرقة في الصراع الدائر؟ 

وسط التقلبات المتسارعة التي عنوانها تحجيم إيران، ماذا ينتظر لبنان الذي ترى فيه طهران جزءا أساسيا من استراتيجيتها في المنطقة؟

ما يجري في لبنان هو تفصيل في الكباش القائم بين الولايات المتحدة وإيران على مساحة المنطقة، من العراق إلى سورية مرورا بلبنان وفلسطين وانتهاء باليمن، غير أن هذا اللبنان الصغير يكتسب أهمية خاصة، ويتعرض لكل هذه الضغوط، كون حزب الله هو الفصيل الأساسي والأهم ضمن استراتيجية "الحرس الثوري الإيراني"، ويشكل بالتالي رأس حربة للنفوذ الإيراني وتمدّده في المنطقة، وخصوصا من لبنان، وعبره للتدخل الإيراني في سورية من جهة، وللاستمرار في لعب ورقة فلسطين، وإبقاء ساحة المواجهة مفتوحة مع إسرائيل من جهة أخرى. ولكن الضغط الأميركي - الإسرائيلي بات يحاصر بقوة الوجود العسكري الإيراني ودوره الذي يجسّده حزب الله، بشكل أساسي في سورية، ويسعى إلى إخراجه منها بالتواطؤ مع الحليف الروسي الذي أطلقت الإدارة الأميركية يده في إيجاد تسوية، انطلاقا من قرار مجلس الأمن 2254، تؤمن انتقالا تدريجيا للسلطة من خلال الانتخابات الرئاسية، المفترض أن تجري في الرببع المقبل، وتُفضي إلى رحيل الأسد، وتكرس، في الوقت عينه، الوجود العسكري للرئيس الروسي، بوتين، ونفوذه في سورية. كما أن الضغط الأميركي بدأ يعطي ثماره في العراق، منذ الضربة القاسمة باغتيال قاسم سليماني في بداية العام، واختيار مصطفى الكاظمي، المقرّب من واشنطن، رئيسا للحكومة، وأخيرا رضوخ مليشيات "الحشد الشعبي" الموالية لطهران، والتزامها بوقف الهجمات على أهداف أميركية في العراق. ثم تأتي الهدنة المفاجئة في اليمن، من خلال الإعلان عن عملية تبادل الأسرى بالمئات بين الحوثيين المدعومين من إيران والسلطة الشرعية المدعومة من السعودية، والمتصارعين منذ خمس سنوات، ونتيجة ضغط أميركي عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية. ناهيك عن دخول إسرائيل على الخط بقوة عبر الاختراق الذي حققته عربيا وخليجيا بواسطة العراب الأميركي الذي يتوعد باختراقات جديدة، التي يبدو أن ترامب بات يعتبرها ورقته الرابحة للتجديد! ولا يجب أن ننسى العصا التركية الغليظة التي يرفعها أردوغان في وجه العرب وإيران معا، بغض نظرٍ من الإدارة الأميركية.

لا تشكل إعادة تكليف الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية مفاجأة بحد ذاتها بقدر ما تجسّد مجموعة مفارقات

ووسط هذه التقلبات المتسارعة التي عنوانها تحجيم إيران، ماذا ينتظر لبنان الذي ترى فيه طهران جزءا أساسيا من استراتيجيتها في المنطقة، وواحدا من العواصم العربية الأربع التي تعتبر أنها تقع تحت سيطرتها؟ وأين موقع الحريري في خضم هذا الكباش الذي تتوالى فصوله، منذ لحظة إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران؟ المفارقة الأخرى أنه يشكل نقطة تقاطع، لا بديل عنها لأركان الطبقة السياسية، وخصوصا حلفاء طهران الذين يعتبرونه ضمانة لضبط الاحتقان السني – الشيعي، لأنه السني الأقوى، ولكونه وريث رفيق الحريري الذي اتهمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عناصر من حزب الله باغتياله. أما شركاء السلطة الآخرون، وتحديدا التيار العوني المسيحي، فإنه لم يتمكن من إيجاد بديل سني موازن له في المعادلة الطائفية للسلطة. لذلك، فقد أرغم على القبول بعودته على مضض، فيما يحاول الثنائي الشيعي الاحتماء به، لضمان المرحلة المقبلة مقابل تبادل المنافع والخدمات التي يسعى إليها الحريري الذي لم يعد يحظى بالغطاء والدعم السعوديين منذ قبوله بالتعاون مع حزب الله ومشاركته في السلطة. وقد أعلن الملك سلمان، في كلمته أخيرا، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن مشكلة لبنان هي في أن "حزب الله إرهابي تابع لإيران، ويسيطر على القرار في لبنان، ويعطل المؤسسات الدستورية ويجب نزع سلاحه". فيما الحريري يتجه إلى تشكيل حكومته الجديدة بالتنسيق مع حزب الله مقابل استعداد مجموعات "ثورة 17 أكتوبر" للعودة إلى الشارع رفضا لعودته. هنا يدخل الدور الفرنسي الذي يحاول أن يلعب دور المنقذ للبنان من الانهيار الاقتصادي الذي تفاقم بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب الماضي)، ومعه استعادة دوره المحلي والإقليمي والمتوسطي، مدعوما على ما يبدو من روسيا والفاتيكان ومصر، لأسباب بعضها لبناني وبعضها الآخر إقليمي، في مواجهة تمدد الرئيس التركي، أردوغان، بانتظار ما ستحمله صناديق الاقتراع الأميركية. فإذا لم يتمكن ترامب من التجديد، فإن الأوراق ستخلط مجدّدا كما يعتقد بعضهم أو يتوهم آخرون.