الحدث الفنزويلي والسياسة الخارجية التونسية
تبدو الحكومة التونسية كأنها غير معنية بما وقع في كاراكاس. لم يصدر بيان رسمي يدين اختطاف مادورو وزوجته، وهو ما دفع رابطة حقوق الإنسان إلى مطالبة السلطات بـ"إدانة صريحة لهذا العدوان". وباستثناء بعض شعاراتٍ ردّدها بعضهم أمام المسرح البلدي في العاصمة أو حذو مقر السفارة الفنزويلية، خصوصاً من منتمين إلى أقصى اليسار الماركسي، لا توجد فعاليات أخرى وازنة في هذا السياق. وهذا لا يعني أن ما حصل جنوب القارّة الأميركية لم يقلق الماسكين بدواليب الدولة، ولم يخلّف وراءه بعض الأسئلة التي بقيت معلقة.
معلومٌ أن علاقات تونس الخارجية تغيّرت بوضوح منذ انفراد الرئيس قيس سعيّد بالحكم. لم يقطع مع الدول الغربية الحليفة التقليدية لتونس، رغم خلافات مع عديد منها، لأسباب سياسية تتعلق أساساً بتراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي المقابل، تطوّرت علاقات تونس بنسق سريع مع الدول المعادية لواشنطن، مثل روسيا والصين وإيران. كذلك حرصت تونس على أن تكون قريبة من مجموعة البريكس، ولم تُخف رغبتها في أن تصبح عضواً فيها ومرتبطة بمساريها، الاقتصادي والسياسي.
في هذا السياق، طوّرت تونس علاقاتها بفنزيلا في أكثر من مجال، قبل أن يلجأ ترامب إلى القوة الأقصى من أجل إعادة هذه الدولة إلى دائرة النفوذ الأميركي. ومع هذا التطور السلبي وغير المتوقع، لجأت السلطة التونسية إلى ملازمة الصمت والحذر مثلما فعلت جارتها الجزائر. فما حدث يكشف عن استعداد الولايات المتحدة لمنع إقامة جبهة صاعدة تعمل على تغيير موازين القوى الدولية، ولو تطلّب ذلك الاعتداء على القانون الدولي والدخول في حروبٍ واسعة. إذ لا يخفى أن من بين أهداف هذه العملية حرمان الصين البترول الفنزويلي، وتحجيم دور روسيا في المنطقة، والإبقاء على الدولار عملة مهيمنة داعمة للاقتصاد الأميركي. وقد سبق أن فشل الرهان التونسي، مع هروب بشّار الأسد، على ورقة سورية، واصطدمت الدبلوماسية التونسية بما حصل في إيران والمخاطر الكبرى التي تهدّد استقرار هذا البلد وسلامة نظامه.
هكذا يتبين أن تونس كلما حاولت، خلال السنوات القليلة الماضية، أن تعدّل في سياستها الخارجية، تغيرت التضاريس من حولها، وتبيّن لها صعوبة أن تشقّ طريقاً مغايراً بصفة جذرية عن "الثوابت" التي وضعها السابقون، فالانعكاسات المحتملة للحدث الفنزويلي على الحليف الرئيسي للنظام التونسي، الجزائر التي خسرت مادورو، بعد أن كان ضيفاً عليها قبل أشهر، من شأنه أن يخلط الأوراق من جديد، فبعد خطوة ترامب تجاه المغرب على حساب الموقف الجزائري من ملف الصحراء، منيت جبهة بوليساريو بخسارة كبيرة، بعد أن ظن زعيمها أن رئيس فنزويلا سيكون حليفاً وازناً لدعمها.
أصبحت جميع هذه الدول المشار إليها تشكّل حلقات أساسية في استراتيجية السياسة الخارجية لتونس اليوم، التي ظنّ صانعو هذه السياسة أنها ستساعدهم على الخروج من الكمّاشة الغربية، وتجعلهم أقدر على المناورة وتعدّد الخيارات. لكن الأحداث المعاكسة تسارعت لتضع أمام السلطة في تونس تحدّيات جدية قد تدفعها نحو إعادة ترتيب أولويات مختلفة بالنسبة إلى علاقاتها بمحيطيها، الإقليمي والدولي. فتونس دولة صغيرة، وليس من مصلحة شعبها زجّه في صراعات وتجاذبات إقليمية ودولية لن ترحم الضعفاء. وقد أثبتت التجارب أن كل من حاول أن يلعب أدواراً أكبر من حجمه، وأن يزجّ نفسه في حروبٍ ليست له فيها ناقة ولا جمل، إلا جرّ على نفسه وعلى بلاده الوبال والخراب.
من جهة أخرى، بيّنت الأحداث أيضاً أن الحسابات السياسية للأنظمة والدول تتغيّر بسرعة، عندما تتغير المصالح والرؤى. فمن كان يتوقع أن السعودية ستجد نفسها على النقيض من دولة الإمارات؟ وقد ذلك جعلها أقرب من مصر، وسيترتب عنه تأثيرات مهمة في ليبيا، وسيضعف من وزن خليفة حفتر وأولاده، وقد يدفع نحو تغيير التحالفات مع القوى السياسية الليبية، خصوصاً في ظل التقارب التركي المصري السعودي.
من كان عدوّاً بالأمس يمكن أن يصبح صديقاً اليوم.