الحالة العجيبة للسيد كوشنر

20 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ما إن ظهرت مؤشرات نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية بفوز بايدن، حتى تنفّس كثيرون في العالم الصعداء، لأنه حانت أخيرا لحظة الخلاص ليس من ترامب فقط، بل أيضا من الصبي المعجزة: جاريد كوشنر.
في أحد أفلام سلسلة "مال قذر" التي تبثها شبكة نيتفليكس، نشهد حلقة مخصصة له تحت اسم "مليونير العشوائيات"، تقدّم قصة صعود غير مشرفة لرأسمالي مفترس حتى بالمعايير الرأسمالية الأميركية.
يقول العرب القدامى إن العرق دسّاس، ويصدقهم تاريخ آل كوشنر. تولى جاريد، في 2008، إدارة الشركة العقارية للعائلة بعد صدور حكم بسجن والده تشارلز عامين، بسبب محاولته عرقلة تحقيق حول تبرّعات سياسية تجاوز الحد القانوني، حيث استأجر عاهرة أغوت زوج شقيقته، وصوّر لقاءهما، ثم ابتزّ الشقيقة به! 
إذا كان هذا هو مدى الافتراس الداخلي بين الأسرة وبعضها، فلا عجب أن تتبع أعمال شركة كوشنر العقارية نماذج مبتكرة لافتراس أموال الأميركيين الأكثر فقرا... آلية رئيسية هي شراء مبانٍ قديمة، يسكنها مستأجرون بعقود طويلة المدى، ثم تحوّل الشركة حياتهم جحيما، حتى يضطروا للمغادرة، فتعيد تهيئة المكان كإسكان فاخر. التقى الفيلم سكاناً عانوا من نقص الصيانة المتعمّد إلى حد انهيار السقف أو انفجار المياه، أو من عمليات بناءٍ مزعجةٍ مستمرة 24 ساعة.
تم توثيق نمط واسع للبناء بدون ترخيص، أو تأجير المنازل بدون "شهادة إشغال" على الرغم من أنها متطلب قانوني، لتأكيد أن المكان آمن، من حيث الحماية من الحريق ونحوها. في مريلاند، تم توثيق نمط مختلف، لا تعمل الشركة هنا على طرد المستأجرين، بل سرقة كل دولار من جيوبهم عبر حيل قانونية متعدّدة، فضلا عن مطاردات عدائية في المحاكم تحت طائلة أوامر الاعتقال.
على سبيل المثال، عرض الفيلم قصة مؤثرة لمستأجرة فوجئت، بعد خمس سنوات من مغادرتها مسكناً، بمراسلةٍ تأتي من شركة كوشنر التي اشترت المبنى أخيرا، تخبرها أن عليها دفع آلاف الدولارات غرامة على مغادرتها من دون إخطار رسمي للمالك السابق، على الرغم من أنها كانت قدّمت هذا الإخطار. توسلت هذه الأم العزباء لثلاثة أطفال لمحامي الشركة، إلا أنه صمم على مصادرة كامل مبلغ 900 دولار هو كل ما تملكه.
يبدو مسار كوشنر مشابها لمسار ترامب، فكلاهما انتقل بشركة والده إلى مانهاتن في نيويورك، وكلاهما يهتم بالإعلام. وبينما تحول ترامب إلى نجم تلفزيون الواقع، قرّر كوشنر شراء صحيفة نيويورك أوبزيرفر، وهكذا كان الزواج من إيفانكا صفقة أخرى اقتصادية وإعلامية ناجحة.
قصة كوشنر نموذج للتدمير الذي يمكن للشعبوية التسبب به للديمقراطية، فهذا الشاب الثلاثيني، معدوم الخبرة الحكومية، تولى منصب كبير مستشاري البيت الأبيض، بالمخالفة لكل الأعراف المؤسسية. بل منحه ترامب تشكيلة من الملفات السياسية الكبرى، تشمل إصلاح العدالة الجنائية في أميركا، والمعاهدات التجارية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وبناء الجدار على حدود المكسيك، فضلا عن ملف القضية الفلسطينية الذي تخيّل أن بإمكانه حله على المقاس الإسرائيلي عبر تقديم "تفاهة القرن".
لكن الديمقراطية الأميركية ذات مخالب وأنياب، أولها حرية الإعلام الذي سمح ببث فيلم كهذا، من دون أن يُمسّ أي من العاملين فيه. مخلب ديمقراطي آخر هو منظومة الحكم المحلي اللامركزي، ونشهد في الفيلم كيف تبنّى القضية عضو مجلس مدينة نيويورك، ريتش تورس، من دون أن يملك الرئيس سلطة عليه، وهو ما ينطبق على القضاء الأميركي الذي أصدر أحكاما بغراماتٍ كبيرةٍ على شركة كوشنر. ومن الوارد اتخاذ إجراءاتٍ أقوى ضد ترامب بعد فقده حصانته، وذلك من أسباب تمترسه الحالي. مخلب ديمقراطي رئيسي آخر هو حرية المجتمع المدني، والفيلم بالكامل قائم على معلومات مبادرة حقوق الإسكان لمؤسسها، آرون كار، والتي تهدف إلى إصلاح القوانين المتعلقة على مستوى الدولة كلها. 
وإذا أمكن آليات الحكم المؤسسي العريقة، كبح جماح الحكم الفردي، لكن من دون تحاشي أضرار جسيمة، فما بالنا ببلادنا فاقدة المؤسسات الكابحة. كم من خطاباتٍ شعبويةٍ دمّرت بذورا ديمقراطية؟ وكم من "صبي معجزة" صعد على رقابنا؟ وكم من آل كوشنر وترامب العرب بيننا؟