الجزائر والمغرب .. الصحراء المشكلة والحل

الجزائر والمغرب .. الصحراء المشكلة والحل

03 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يشكّل قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفراء مع المغرب، عودة بالمنطقة إلى أكثر من نصف قرن إلى الوراء. ومهما كانت طبيعة الخلافات والأسباب والمبرّرات وراء هذه الخطوة، فإن ما يجمع البلدين الشقيقين والجارين أكثر بكثير مما يفرّق بينهما. وبالتالي، فإن قطع العلاقات أحد أشكال إعلان الحرب، وإنْ لا يصل إلى مستوى خطر الحرب الفعلية، فإنه يفتح الأبواب أمام كل الاحتمالات السيئة. وما نلحظه من حربٍ كلاميةٍ تجري على وسائل التواصل الاجتماعي بين جزائريين ومغاربة يحمل مؤشّراتٍ سلبيةً إلى تدهور مديد على مستقبل العلاقات بين الشعبين.

وبعيدا عن الخفايا بين المغرب والجزائر التي فجّرت الخلافات في الآونة الأخيرة، لتصل إلى قطع العلاقات، فإن ذلك دليل فشل على إدارة الخلاف المزمن، بينما نجح الطرفان في ذلك سابقا بفضل الحرص على الأواصر التاريخية، وتغليب علاقات الأخوّة التي تربط بين شعبين يجمعهما أكثر مما يفرّقهما من نزاعات تتعلق بخلافات الحدود التاريخية، ومن ثم قضية الصحراء ودعم الجزائر جبهة البوليساريو. وشكّل ذلك سببا لقرار المغرب قطع العلاقات مع الجزائر عام 1976، بعد وقوفها وراء مشروع قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، ولم تُستأنف إلا في 1988 بعد وساطة سعودية، شكّلت فاتحة تعاون بين البلدين، ومن بين ثمارها التوصل إلى إعلان اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير/ شباط عام 1989 في مراكش، وضمّ المغرب، الجزائر، ليبيا، تونس، وموريتانيا. وكان هذا المشروع واعدا، حين قاد على نحو خاص إلى فتح الحدود بين أكبر بلدين عضوين فيه، هما المغرب والجزائر، واللذان يشكلان 80% من اقتصاد دول هذه المنطقة و75% من سكانها. ولكن الخلافات بينهما حالت دون تقدم هذا المشروع الذي وقفت أطراف دولية ضد تفعيله، لأنه يوحّد قرابة مائة مليون، يعيشون على مساحة تعادل مساحة الاتحاد الأوروبي بست مرات.

الفشل في معالجة الخلافات يدلّ، من ناحية أخرى، على أن هناك أطرافا محلية ودولية ذات مصلحة في استمراره وتصعيده، ولكن هذا الأمر ليس جديدا، وكان موجودا على الدوام، وقد فوّت وعي القيادات المغربية والجزائرية الكثير من محاولات إشعال المنطقة، وهذا ما يخشاه المرء في ظل الاحتقان الراهن. ومن هنا، الرهان معقودٌ على تغليب المصالح المشتركة، والعلاقات الأخوية والتاريخ الواحد على الخلافات العابرة، من أجل تبريد الأجواء، وتطويق المشكلات، ومنعها من أن تستفحل وتتحوّل إلى مرضٍ مزمنٍ لا شفاء منه. ويمتلك كل من البلدين رصيدا سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يمكّنهما من الالتقاء في وسط الطريق، لتأسيس أرضيةٍ دائمةٍ تتجاوز الخلافات، وتعود إلى روحية تأسيس اتحاد المغرب العربي التي بعثت الأمل في الماضي لبناء فضاء مغاربي، قائم على المصالح المتبادلة، وأخوّة الدم، القادرة على هزيمة كل ما يروج على وسائل التواصل الاجتماعي من صور نمطية، هدفها تدمير كل ما هو مشترك على مر العصور. وحسنا أن وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، شدّد على أن "قطع العلاقات يعني أن هناك خلافات عميقة بين البلدين، لكنها لا تمسّ الشعوب".

قضية الصحراء هي السبب المباشر للخلاف المغربي الجزائري، والعقبة التي حالت دون بناء علاقاتٍ طبيعيةٍ وصحيةٍ بين البلدين، وفي كل مرة تعود إلى صدارة الأحداث كما هي اليوم، فإنها تطرح نفسها مرة قضيةً بحاجةٍ إلى حل، ومرة أخرى حافزا من أجل تجاوز الخلاف الثنائي إلى الارتقاء بمشروع اتحاد المغرب العربي الذي يمكنه أن يوفر خيمة، لا بديل لها، لإدارة النزاعات المزمنة التي ورثتها المنطقة من أزمنة الاستعمار.